حول السؤال عن ماهية الوعي (ما هو الوعي)؟

ان هذا السؤال لم يصل العلم الحديث الى أجابة له لحد الآن. ويترك للعلم في المستقبل اماطة اللثام عنه. إلا أن ذلك ليس ذو أهمية كبرى ،  لانه لا يعيق من دراسة الظواهر العقلية وتفسيرها. وقد اكد العلامة فرويد على ذلك. حيث اوضح أن ما نجهله بصورة كلية هو الطفرة المبهمة من ما هو جسدي الى ما هو عقلي ومن ما هو عقلي الى ما هو جسدي. كيف يتم هذا الانتقال؟ وما هو العقل؟ ثم اوضح أن ما نجهله عن “ما هو العقل؟” ليس في حقيقة الأمر إلا ما هو الوعي؟ أي ما هو الجزء الواعي من العقل او بتعبير آخر ما هو العقل الواعي على وجه التحديد؟ وقد اكد فرويد على ضرورة أن يستمر علماء النفس في دراساتهم للضواهر العقلية والنفسية دون أن يجعلوا من عدم معرفتهم لماهية الوعي عائقا يعترض من طريقهم. وبالفعل فقد نجح علماء النفس في دراسة الوعي وظواهره المختلفة ونجحوا في وضع فرضيات ونظريات ومن ثم توصلوا الى اثباتات وتم البرهان على صحة الكثير من نظرياتهم بصورة لا تقبل النقض. وقد قاموا بكل ذلك من دون امتلاكهم لمعرفة عن ما هو الوعي

ان هذه الحالة (عدم معرفة ماهية الكينونة) لا تقتصر على الوعي وعلم النفس فقط ، بل موجودة أيضا في مجالات وعلوم اخرى. ففي الفيزياء على سبيل المثال الزمن لا يمتلك تعريفا ، فماهية الزمن غير معروفة للفيزيائيين. فالسؤال ما هو الزمن باقي الى الآن بدون جواب وكل ما قيل لحد الآن كمحاولة لايجاد تعريف للزمن لا يعدو على أن يكون مجرد نظريات غير مثبتة. والجاذبية مثال آخر: فما هي الجاذبية؟ لا احد يعرف الى الآن. فماهية الجاذبية غير معروفة للفيزيائيين. لكن على الرغم من ذلك استطاع الفيزيائيين دراسة الجاذبية والزمن والظواهر الاخرى المشابهة و وضعوا فرضيات و طوروا نظريات و وصلوا الى مبرهنات واكتشفوا قوانين (كقوانين الجاذبية) بنفس الطريقة التي استطاع علماء علماء النفس أن يدرسوا الوعي ويضعوا له تقسيمات ويدرسوا ظواهره ويكتشفوا قسما من قوانينه ، تاركين للمستقبل الكشف عن ماهية الجاذبية والزمن وماهية الوعي

وحول السؤال ما هو الوعي؟ وجميع الأسئلة الأخرى المتعلقة ب “ما هو؟” علق الفيلسوف الخالد كارل بوبر في الجزء الحواري مع جون أكلس من كتاب النفس ودماغها بما يلي

  بالنسبة للسؤال ما هو العقل الواعي لذاته ، انا اعتقد بان اسئلةما هو بصورة عامة ليست في الواقع مهمة جدا ، وهي في حقيقة الأمر ليست اسئلة جيدة جدا لكي تطرح. ان هذه الاسئلة ذات بنية بحيث لا يمكن الاجابة عنها باجوبة شافية. فمثلا ، السؤال ما هي الحياة ، يمكننا ان نجيب عليه اجابة غير مرضية بان الحياة هي عملية كيميائية. هذا الجواب غير مرضي لأن هناك الكثير والكثير من العمليات الكيميائية غير الحياة. ربما نجد حقا بعض الفائدة بالقول ان الحياة هي عملية كيميائية ، لكنها فائدة مجازية فقط. فاذا قلنا ان الحياة تمتلك بعض الشبه بالعملية الكيميائية للهب ، وانها نوع من نظام مفتوح  مثل لهب الشمعة ، سيكون ذلك استعارة مخازية اخاذة حقا ، لكنه في واقع الامر ليست قيمة جدا

  الآن ، بالنسبة للسؤالماهو العقل الواعي لذاته؟ اولا ، استطيع القول ، كجواب تمهيدي (دائما واضعا في البال ما قلته توا حول كل اسئلةما هو) :انه شيء مختلف تماما عن أي شيء ، بحسب معلوماتنا ، قد وجد سابقا في الكون. هذا جواب للسؤال ، لكنه جواب سالب. فهو يؤكد فقط على الاختلاف. بين العقل وأي شيء سابق لظهوره. اذا سألت بعد ذلك : هل انه حقا هكذا مختلف بصورة كلية ، عندها ساستطيع فقط أن اقول : ربما يكون هنالك سلف ما للعقل البشري في هيئة ادراك واعي لكن غير واعي لذاته عند الحيوانات (ان فرضية امتلاك الحيوانات لأي شكل من اشكال الوعي مجرد نظرية لا يوجد أي سند علمي يدعمها لحد الآن – ملاحظة الصوت الشيوعي). ربما يوجد هناك شكل من السلف للعقل البشري في هيئة شعور واعي باللذة والالم تمتلكه الحيوانات ، لكنه (أي العقل البشري – ملاحظة الصوت الشيوعي) ، يختلف كليا عن شعور الحيوانات لانه يستطيع أن يعكس ذاته ؛ أي أن الأنا تستطيع أن تعي نفسها ، وهذا هو ما نعنيه بقولنا عقل واعي لذاته. واذا سألنا كيف يمكن ذلك ، عندها سأجيب بأن ذلك ممكن فقط من خلال اللغة ومن خلال تطور التخيل في تلك اللغة. أي انه ، فقط اذا استطعنا تخيل انفسنا كاجساد فاعلة ، وكاجساد فاعلة ملهمة بطريقة ما بواسطة العقل ، أي بواسطة انفسنا ، عندها فقط ، ومن خلال كل هذا الأنعكاس – الذي يمكن أن نسميه الأنعكاس المرتبط – عندها فقط نستطيع الحديث عن النفس = أي الذات – ملاحظة الصوت الشيوعي

كانت تلك مقطوعة فلسفية لكارل بوبر تم نسخها من كتاب النفس ودماغها لبوبر وأكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج وكيغن باول ، لندن بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983 ، ص 553 – الخط العريض المائل مع الخلفية البيضاء لبوبر

Advertisements

نُشرت بواسطة

Communist Voice

ماركسي - لينيني - ماوي معادي للتحريفية و الامبريالية. Marxist - leninst - maoist, anti-revisionist & anti-imperialist Revolutionarist