دحض العلم الحديث للمفهوم الماركسي الكلاسيكي للسببية والحتمية والحرية – الجزء الاول

المفهوم الماركسي الكلاسيكي

اولا) مفهوم السببية

علم أنجلس

عندما نبحث من وجهة نظر العلوم الطبيعية الحديثة ، المادة في الحركة ككل ، فان الفعل المتبادل هو أول شيء يصادفنا. ونرى سلسلة من أشكال الحركة ، حركة كيميائية ، حرارة ، ضوءا ، كهرباء ، مغناطيسية ، اتحادا وتحليلا كيميائيين ، تحولات لحالات التجمع ، حياة عضوية تنتقل جميعا ، إذا لم نزل نستثني الحياة العضوية حاليا ، الواحدة منها إلى الاخرى ، واحداها تقرر الاخرى تقريرا متبادلا ، وهي علة في مكان ومعلول في مكان آخر ، ويبقى المجموع الاجمالي للحركة في أشكالها المتغيرة كافة هو نفسه ( قول سبينوزا ، الجوهر سببه ، يعبر عن الفعل المتبادل تعبيرا مدهشا ) لاحظ هامش 179 (هامش 179 : سبينوزا ، علم الأخلاق ، القسم الأول ، التعريفان 1 و 2 والنظرية 6). إن الحركة الميكانيكية تصبح متحولة إلى حرارة ، كهرباء ، مغناطيسية ، ضوء الخ. وبالعكس. وهكذا تؤيد العلوم الطبيعية ما قاله هيغل (أين؟ ) من أن الفعل المتبادل هو السبب النهائي الحقيقي للأشياء. ليس باستطاعتنا الرجوع إلى أبعد من المعرفة بهذا الفعل المتبادل لمجرد السبب بأن في الماضي لا يوجد شيء تجب معرفته. إذا عرفنا أشكال حركة المادة ( التي ما زال ينقصها الكثير جدا بعد ، نظرا لحداثة عهد العلوم الطبيعية بالوجود ) ، فسنعرف عندئذ المادة ذاتها. وبذلك تكتمل معرفتنا. (تقوم مخالفة غروف بأكملها حول السببية على حقيقية عدم نجاحه في التوصل إلى مقولة الفعل المتبادل ؛ كان لديه الشيء ، لا الفكر المجرد ، ومن هنا التشوش – ص ص : 10-14 ) ولا نصل إلى العلاقة السببية الحقيقية إلا من هذا الفعل المتبادل الشامل. وعلينا لفهم الظواهر المستقلة ، انتزاعها من الترابط الداخلي العام وبحثها منعزلة ، وعندها تظهر الحركات المتغيرة الواحدة منها علة والاخرى معلولا

فريدريك أنجلس ، جدلية الطبيعة ، الطبعة العربية ، منشورات دار الفن الحديث ، دمشق ، 1970 ، ترجمة محمد أسامة القوتلي ، السببية ، ص 325 – التلوين باللون الأحمر والخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي وليس من أنجلس. تم حذف المصطلحات الانكليزية والهامش 180

*******************************

ثانيا) الطبيعة الأزلية لقوانين حركة المادة

يقول أنجلس

إنها حلقة أبدية تنحرف المادة فيها ، حلقة لا تكمل بالتأكيد مدارها إلا في فترات زمنية ، ليست سنتنا الأرضية بقياس كاف لها ، حلقة فيها زمن أعلى تطور ، وهو زمن الحياة العضوية وأكثر من ذلك فيها زمن حياة الكائنات الواعية للطبيعة ولذواتها ، محدد تحديدا ضيقا تماما  كالفضاء الذي تتفاعل فيه الحياة والوعي الذاتي ؛ حلقة حيث كل شكل محدود لوجود المادة ، سواء أكان شمسا أو بخارا سديميا ، حيوانا فردا أو نوعا من الحيوانات ، أو تحليلا كيميائيا ، صائر إلى الزوال ، وإن لا شيء أبدي بل متغير أبديا ، وأن المادة المتحركة أبديا ، والقوانين تتحرك وتتغير تبعا لها. لكن مهما كان مكررا ومهما كان اكتمال هذه الحلقة في الزمان والمكان دون انقطاع ؛ ومهما قد تنشأ وتضمحل ملايين عديدة من الشموس والأرضين ، ومهما قد يطول بقائها ، قبل أن تتطور في منظومة شمسية واحدة وعلى كوكب سيار واحد فقط ، الشروط للحياة العضوية ؛ ومهما كانت المخلوقات العضوية عديدة ، وهي التي يجب أيضا أن تنشأ وتموت قبل أن تكون الحيوانات المتمتعة بدماغ قادرة على التفكير قد تطورت من صلبها ، لتجد ولفترة قصيرة من الزمن شروطا صالحة للحياة ، فقط لكي تبيد فيما بعد دون رحمة – فنحن على ثقة أن المادة تبقى كما هي أبديا في جميع استحالاتها ، وإن لا شيء من خواصها يمكن أن يضيع البتة ، ولذلك ، أيضا ، فبنفس الضرورة القاسية ستبيد من سطح الأرض أرفع مخلوقاتها ، العقل المفكر ، وعليها أن تعيد إنتاجه في مكان وزمان آخرين

نفس المصدر السابق ، ص 56-57 – التلوين باللون الأحمر والخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي وليس من أنجلس – تم حذف المصطلحات الانكليزية

ويقول أنجلس

وفي الواقع فجميع المعرفة الشاملة الحقيقية تكمن كلية في الارتقاء بالشيء الفردي في الفكر من الفردية إلى الخصوصية ، ومن ثم هذه إلى العمومية……….نحن نعلم أن الكلور والهيدروجين ، ضمن حدود معينة من الحرارة والضغط ، وتحت تأثير الضوء ، يتحدان بانفجار ليشكلا غاز حمض كلور الماء ، وما أن نعرف هذا ، حتى نعرف أيضا أن ذلك يحدث أنى كان وفي الأوقات جميعا ، حيثما تكون الشروط المتقدمة متوفرة ، وسواء أحدث هذا مرة أم تكرر مليون مرة ، أو فوق أي عدد من الأجرام السماوية حدث ، فسيكون أمرا عديم الأهمية. وشكل العمومية في الطبيعة قانون ، ولا أحد يتكلم عن الصفة الأزلية لقوانين الطبيعة أكثر من العلماء الطبيعيين

نفس المصدر السابق ، ص 328

*************************

ثالثا) موضوعية قوانين الطبيعة

يقول أنجلس

ففي القول إننا لا نعرف ما الزمان وما المكان ، وما المادة وما الحركة وما العلة وما المعلول ، يعبر ناغيلي فحسب عن أننا نقوم أول الأمر بتجريدات بواسطة عقولنا ، للعالم الحقيقي ، ثم لا نقدر على معرفة هذه التجريدات بواسطة عقولنا ، للعالم الحقيقي ، ثم لا نقدر على معرفة هذه التجريدات التي صنعها لأنها من ابداع الفكر وليست موادا محسوسة ، في حين أن المعرفة جميعا قياس حسي

نفس المصدر السابق ، ص 331 – تم حذف المصطلحات الانكليزية

*************************

رابعا) الحتمية والحرية

علم أنجلس

لقد كان هيغل سباقا الى تقرير العلاقة بين الحرية والضرورة بصورة صحيحة. فعنده ان الحرية هي تقدير الضرورة حق قدرها. (( ان الضرورة لاتكون عمياء إلا بقدر ما لا تكون مفهومة . )) فالحرية لا تستقيم في حلم الاستقلال عن القوانين الطبيعية ، بل في معرفة هذه القوانين ، وفيما تمنحه هذه المعرفة من إمكانية تشغيل تلك القوانين ، بصورة منهجية ، في اتجاه أهداف محددة. وإن هذا لينطبق سواء على قوانين الطبيعة الخارجية أم على القوانين التي تسير الوجود الجسماني والذهني للبشر أنفسهم – وهما صنفان من القوانين يمكننا على الأكثر أن نفصلهما عن بعضهما بعضا في الفكر لكن ليس في الواقع. وهكذا فإن حرية الارادة لا تعني أكثر من القدرة على اتخاذ القراراتبعد الاطلاع على حقيقة الأمر. وبالتالي فإنه بقدر ما تكون محاكمة الانسان بشأن مسألة معينة أكثر حرية ، فإن الضرورة التي سيتحدد بها مضمون هذه المحاكمة تكون أعظم ، في حين أن التردد القائم على الجهل ، هذا التردد الذي يبدو أنه يقوم باختيار اعتباطي بين قرارات عديدة مختلفة متنازعة ، يفصح من جراء هذا الواقع بالضبط عن انعدام حريته ، وعن اذعانه بالضبط لذلك الشيء الذي ينبغي له أن يسيطر عليه. وهكذا فإن الحرية تستقيم في السيطرة على ذواتنا وعلى الطبيعة الخارجية ، وهي سيطرة مؤسسة على “معرفة الضرورة” الطبيعية ، وهي اذن نتاج بالضرورة للتطور التاريخي. ان البشر الأولين الذين انفصلوا عن المملكة الحيوانية قد كانوا في سائر الشؤون الجوهرية منعدمي الحرية بقدر الحيوانات نفسها ، لكن كل خطوة الى الامام في ميدان الحضارة قد كانت خطوة الى الامام في اتجاه الحرية. وإنه لينهض على عتبة التاريخ الانساني اكتشاف إمكانية تحويل الحركة الميكانيكية الى حرارة : ذلك هو إنتاج النار بواسطة الاحتكاك ؛ وإنه لينهض عند ختام التطور الذي اجتازه الانسان حتى الآن اكتشاف إمكانية تحويل الحرارة الى حركة ميكانيكية : ذلك هو المحرك البخاري

وعلى الرغم مما تحققه الآلة البخارية في العالم الاجتماعي من ثورة تحريرية عملاقة – وهي الثورة التي لم تكتمل بصورة نصفية بعد – فإنه مما لا شك فيه على الاطلاق أن توليد النار من الاحتكاك قد كان له أثر أعظم من ذلك في تحرير الجنس البشري. ذلك أن توليد النار من الاحتكاك قد وهب الانسان للمرة الاولى السيطرة على إحدى قوى الطبيعة ، وبذلك فصله بصورة حاسمة عن المملكة الحيوانية. ولن تستطيع الآلة البخارية قط أن تحقق مثل هذه القفزة الجبارة إلى الأمام في التطور الانساني ، مهما كان شأنها في أنتظارنا على اعتبارها تمثل جميع تلك القوى المنتجة الهائلة التابعة لها – وهي القوى الوحيدة التي تجعل من الممكن قيام أوضاع اجتماعية تنعدم فيها المفارقات الطبقية أو القلق بخصوص وسائط المعيشة الفردية ، وحيث يمكن أن يجري الحديث للمرة الأولى عن الحرية الانسانية ، وعن الحياة في انسجام مع القوانين الطبيعية التي أصبحت معروفة

فردريك أنجلس ، الإنتي دوهرينغ ، الطبعة العربية ، دار دمشق للطباعة والنشر ، ترجمة الدكتور فؤاد أيوب ، الطبعة الاولى ، 1965 ، الأخلاق والشريعة / الحرية والضرورة ، ص137-138 – التلوين باللون الأحمر والخط المائل والعريض والحصر ب ” “ من الصوت الشيوعي وليس من أنجلس

************************

خامسا) الصدفة والضرورة

علم أنجلس

تعارض آخر وقعت الماورائية فيه ، هو تعارض الصدفة والضرورة. أي شيء يمكن ان يكون أشد تناقضا من هاتين الحتميتين الفكريتين؟ كيف يمكن أن تكون كلتاهما مطابقتين. أن يكون العرضي ضروريا والضروري عرضيا أيضا؟ إن الفطرة السليمة ومعها غالبية العلماء الطبيعيين ، تعتبر الضرورة والصدفة حتميتين منغلقتين عن بعضهما نهائيا. الشيء ، الظروف ، العملية إما أن تكون عرضية أو ضرورية ولكن ليس الأمرين معا. لذا فهما موجودان في الطبيعة جنبا إلى جنب ؛ الطبيعة تضم كل ضروب الأشياء والعمليات البعض منها عرضي والبعض الآخر ضروري ، والمسألة فقط مسألة عدم خلط النوعين واحدهما بالآخر. هكذا اتخذ الواحد مثلا الصفات المحددة الحاسمة ليكون ضروريا ، واصطلح على كون اختلافات اخرى بين فردين من النوع نفسه ، عرضية ، وهذا يصح على البلورات مثلما يصح على النباتات والحيوانات. بعد ذلك تصبح المجموعة الأدنى أيضا عرضية بالنسبة للمجموعة الاعلى ، بحيث يعلن عن كونها قضية صدفة ، كم عدد الأنواع المختلفة متضمن في جنس الفليس أو الاكووس ، أو كم عدد الأجناس والطبقات في الفئة ، وكم عدد أفراد كل واحدة من هذه الأنواع ، أو كم عدد الأنواع ، أو كم عدد الأنواع المختلفة للحيوانات في إقليم معين ، أو ما هو شكل الحياة الحيوانية والنباتية لمنطقة ما بصورة عامة. وبعد ذلك يعلن أن الضروري هو الشيء الوحيد الذي يستحوذ على الاهتمام العلمي ، وأن العرضي أمر غير هام للعلم. أي أن ما يمكن إخضاعه للقوانين ، وإذن ما يعرفه المرء ، هو الهام ؛ وما لا يمكن إخضاعة للقوانين ، وإذن ما لا يعرفه المرء قضية غير ذات أهمية ويمكن تجاهلها. وبهذا تنتهي العلوم جميعا لأن عليها بالتحديد استقصاء ذلك الذي لا نعرف ، أي : أن ما يمكن إخضاعه لقوانين عامة يعتبر ضروريا ، وما لا يمكن اخضاعه يعتبر عرضيا. ويستطيع أي كان أن يرى أن هذا هو نفس ذلك النوع من العلم الذي يعد طبيعيا ما يقدر على تفسيره ، ويعزو إلى أسباب خارقة ما ليس في وسعه أن يفسره ، وسواء دعوت سبب ما لا يمكن تفسيره صدفة أو دعوته الله ، فالأمر عديم الأهمية تماما بقدر تعلق الأمر بالشيء نفسه. كلاهما مرادفان فقط ل : أنا لا أعرف ، وإذن لا يمتان بصلة إلى العلم. يتوقف العلم حيث العلاقة السببية الأساسية مفقودة

في معارضة هذا الرأي. هناك الحتمية التي انتقلت من المادية الفرنسية إلى العلوم الطبيعية والتي تحاول الخلاص من الصدفة بانكارها كلية. استنادا إلى هذا المفهوم لا يسود في الطبيعة إلا الضرورة المباشرة البسيطة. وأن جراب بازلاء خاص يضم خمسة حبات وليس أربع حبات أو ست حبات ، وأن ذيل كلب معين يبلغ طوله خمسة إنشات لا أطول قيد أنملة ولا أقصر ، وأن هذا العام ألقحت زهرة برسيم معينة من قبل نحلة وزهرة أخرى لم تلقح ، وألقحت في الواقع من قبل نحلة واحدة معينة بالتحديد ، وفي وقت معين ، وأن بزرة هندباء ذرتها الريح قد أشطأت ((أشطأ الشجر والنبات : أخرج شطأه ، وهو ما ينبت حواليه ……… – المترجم)) وأخرى لم تشطأ ، وأن برغوثا لسعني في الرابعة صباحا لا الثالثة أو الخامسة ، في كتفي الأيمن وليس في ربلة الساق اليسرى – تلك جميعا حقائق ولدتها سلسلة لا تتبدل من العلة والمعلول ، ولدتها ضرورة لا تنثني من تلك الطبيعة في الواقع التي عندما تكونت الكرة الغازية ، التي نشأت المنظومة الشمسية عنها ، كان على هذه الحوادث أن تجري على هذا النحو وليس على نحو آخر. بهذا النوع من الضرورة نحن أيضا لا نتخلص من المفهوم اللاهوتي للطبيعة. وسواء أطلقنا عليها ، مع أغسطين وكالفين ، اسم حكم الاله الأزلي ، أو قسمت (لاحظ هامش 164) = (هامش 164 : قسمت ، يقصد بها في الاستعمال الاسلامي ، التركي منه خاصة ، المصير أو القدر) ، كما يسميها الأتراك ، أو أسميناها ضرورة ، فجميعها سواء بالنسبة للعلم تقريبا. فلا سبيل لتتبع سلسلة التسبيب في أي من هذه الحالات ؛ لذلك فنحن مصيبون بواحدة كما نحن مصيبون بأخرى تماما ، وتظل ما تدعى ضرورة عبارة فارغة ، ومعها تبقى الصدفة أيضا على ما كانت عليه قبلا. وطالما بقينا عاجزين عن أن نبين علام يعتمد عدد حبات البازلاء في الجراب ، فستبقى مجرد مسألة صدفة. والتأكيد بأن القضية حسب حسابها سابقا خلال التركيب البدائي للمنظومة الشمسية لا يقودنا خطوة واحدة أبعد. جراب البازلاء الفرد هذا ، في سلسلته السببية ، لن يكون علما ، بل محض عبث ؛ إذ إن الجراب البازلاء وحده هذا بالاضافة إلى ذلك ، عددا لا يحصى من الصفات الفردية الأخرى العريضة الظهور : ظل لون الجراب و كثافته وقساوته ، وحجم حبات البازلاء ، دون أن نتكلم عن المزايا الفردية التي يكتشفها المجهر. لذا فجراب البازلاء الواحد يستطيع الآن أن يوفر علاقات سببية للمتابعة أكثر مما يقدر جميع علماء النبات في العالم على حلها

لهذا فالصدفة لا تفسر هنا من قبل الضرورة ، بل على الأصح الضرورة تنحدر إلى توليد ما هو مجرد عرضي. إذا كانت حقيقية أن جراب بازلاء معين يضم ست حبات بازلاء وليس خمسا أو سبعا ، من نفس مرتبة قانون حركة المنظومة الشمسية ، أو قانون تحول القدرة ، فالواقع عندها أن الصدفة لا ترتقي الى الضرورة ، بل الضرورة ، على الأصح ، تنحدر إلى الصدفة. إضافة إلى ذلك فالأنواع العضوية واللاعضوية والافراد الموجودون في منطقة معينة جنبا إلى جنب ، مهما بلغ تنوعها ، يمكن تأكيد قيامها على ضرورة يتعذر إنكارها ، وبالنسبة للأنواع والأفراد المستقلين تبقى المسألة كما كانت قبلا ، مسالة صدفة. بالنسبة للحيوان الفرد إنها مسألة صدفة ، أين حدث أن ولد ، وأية بيئة للعيش وجد ، وأية حيوانات تهدده وما هو عددها. وهي قضية صدفة بالنسبة للنبتة الام ، أنى تبعثر الريح بزورها ، وكذلك بالنسبة للنبتة الفرع ، أين تجد البزرة التربة لتنبت ؛ والتأكيد لنا بأن كل شيء هنا أيضا على ضرورة لا سبيل لنكرانها ، ترضية واهية. إن خلط المواد الطبيعية معا في إقليم معين ، وأكثر من ذلك ، في العالم بأسره ، من أجل جميع الحتمية البدائية منذ الأزل ، يظل كما كان في السابق – مسألة صدفة

وفي مقابل كلا المفهومين ظهر هيغل بالافتراضات التي لم تكن معروفة أبدا حتى ذلك الحين ، بأن للعرضي سببا لأنه عرضي ، وبنفس المقدار تماما أيضا ، لا سبب له لأنه عرضي ؛ وبأن العرضي ضروري ، وبأن الضرورة تقرر ذاتها كصدفة ، وأن هذه الصدفة هي بالأحرى ضرورة مطلقة من الناحية الأخرى. ( المنطق ، المجلد الثاني ، الكتاب الثالث ، الفصل الثاني : الحقيقة ). لقد أهملت العلوم الطبيعية تماما هذه الافتراضات بأعتبارها عبثا ظاهري التناقض ، وهراء يناقض نفسه ، وفي ما يتعلق بالجانب النظري ، بقيت من ناحية في غثاثة فكر ما وراء طبيعة وولف (كريستيان وولف 1679-1754 فيلسوف مثالي وماورائي – المترجم) ، التي إما أن يكون الشيء ، استنادا إليها ، عرضيا ، أو ضروريا ، ولكن ليس الاثنين معا في الوقت نفسه ؛ أو بقيت من الناحية الأخرى ، في الحتمية الآلية التي يصعب أن تكون أقل فراغا ، والتي بالاختصار تنكر الصدفة عموما ، ولكن لتعترف بها عمليا في كل حالة خاصة

ماذا فعلت بشخص داروين العلوم الطبيعية التي استمرت تفكر بهذه الطريقة؟

لقد انطلق داروين في مؤلفه الخلاق(لاحظ هامش 165)=(هامش 165 : يشير هذا الى كتاب داروين ، أصل الأنواع بواسطة الاصطفاء الطبيعي (1859)) من أوسع أساس موجود للصدفة. وبالتحديد فإن الاختلافات العرضية اللامتناهية بين الافراد داخل النوع الواحد ، الاختلافات التي أضحت ملحة حتى تخطت طبيعة النوع ، والتي لا يمكن أن تتوضح حتى أسبابها المباشرة إلا في حالات نادرة جدا ، أرغمته على الشك في الأساس السالف لجميع القياسية في علم الحياة ، أي مفهوم الأنواع في تصلبه الماورائي السابق ولا تبدليته. لكن العلم جميعه لم يكن شيئا دون مفهوم الأنواع. فقد احتاجت فروعه كافة إلى مفهوم الأنواع كأساس : ماذا كان التشريح البشري والتشريح المقارن – علم الأجنة ، علم الحيوان ، علم المستحثات ، علم النبات الخ. ، بدون مفهوم الأنواع؟ إن نتائجها جميعا لم توضع موضع شك فحسب ، بل وضعت جانبا على الفور. الصدفة أسقطت الضرورة ، كما فهمت حتى الآن(في هامش المخطوطة الملاحظة : “إن المادة حول أشكال حدوث الصدفة التي تراكمت في هذا الوقت ، وضعت حدا للفكرة القديمة للضرورة وحطمتها” – المحقق). وتهاوت الفكرة السابقة للضرورة. إن الاحتفاض بها يعني أن نفترض على الطبيعة فرضا استبداديا كقانون ، حتمية بشرية اعتباطية تتناقض مع نفسها ومع الحقيقة ، إنه يعني بصورة عامة ، اعلان مملكة الصدفة المضطربة قانونا وحيدا للطبيعة الحية. وقد صاح علماء الحياة من جميع المدارس صيحة منطقية جدا ، ((تاوزفيس جونتوف لم يعد يساوي شيء

داروين(قارن الطبعة الانكليزية من هذا الكتاب ص : 311 – المحقق)

فريدريك أنجلس ، جدلية الطبيعة ، الطبعة العربية ، منشورات دار الفن الحديث ، دمشق ، 1970 ، ترجمة محمد أسامة القوتلي ، الصدفة والضرورة ، ص 304-309 – التلوين باللون الأحمر والخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي وليس من أنجلس. تم حذف المصطلحات الانكليزية والهامش 166

*******************************

خلاصة المفهوم الماركسي الكلاسيكي

اولا) الكون بطبيعته سببي والسببية صفة اساسية وازلية وموضوعية للكون والمادة

 ثانيا) تعتبر الفلسفة الماركسية الكلاسيكية (المادية) – شأنها في ذلك شأن الفلسفة الديالكتيكية الهيكلية (المثالية) – أن السبب النهائي هو علة الكون وسبب وجوده أي أن الصفة السببية (الأساسية) للكون هي علة (سبب) وجوده الأزلي

ثالثا) قوانين الطبيعة ازلية وموضوعية

رابعا) الحرية لا تتعارض مع الحتمية ذلك انها – أي الحرية – ليست سوى وعي السببية ، فهي لا تتأتى إلا من خلال معرفتنا بقوانين الطبيعة – معرفتنا بالأسباب – وبالتالي فان الحرية تشتق من السببية ،فلا تناقض بينهما

خامسا) الصدفة لا تتعارض مع الحتمية لأن الصدفة ليست سوى حالة خاصة (مظهر) للسببية كونها – أي الصدفة – ليست سوى التقاء عفوي لسلسلتين او اكثر من من الأسباب

سادسا) ومن النقطة 5 اعلاه ينتج أن الصدفة حقيقة موضوعية مثلها في ذلك مثل السببية كونها حالة خاصة من السببية الموضوعية

Advertisements

نُشرت بواسطة

Communist Voice

ماركسي - لينيني - ماوي معادي للتحريفية و الامبريالية. Marxist - leninst - maoist, anti-revisionist & anti-imperialist Revolutionarist