دحض قانون نفي النفي

التلوين باللون الأحمر مع الخط العريض المائل في هذه المقالة من الصوت الشيوعي

في هذه المقالة سنتطرق بصورة مسهبة الى واحد من اكبر اخطاء المادية الديالكتيكية التي صاغها ماركس وأنجلس وسار عليه في ما بعد لينين وظل قائما الى أن اطلق ستالين عليه رصاصة الرحمة في سنة 1936 لكن للاسف الشديد عاد له الشيوعيون من ذوي الجمود العقائدي – وهم الأكثرية – بعد وفاة ستالين ونعني به قانون نفي النفي. احد اهداف هذه المقالة المسهبة حول هذا الموضوع هو بيان اهمية التمسك بتراث ستالين النظري رغم فداحة اخطاء هذا القائد الشيوعي الكبير

اولا ما هو قانون نفي النفي

أن قانون نفي النفي هو احد القوانين الرئيسية في الديالكتيك الهيغلي الذي صاغه هيغل. وقد سحبه ماركس وأنجلس على المادية الديالكتيكية فيما بعد. هذا القانون يفسر التطور في الطبيعة والمجتمع على شكل محلزن. وقد وصفه أنجلس في مؤلفه الشهير الأنتي دوهرينغ بما يأتي

اذا ما صادفت مثل هذه الحبة من الشعير شروطا هي طبيعية بالنسبة اليها ، اذا ما سقطت في تربة مناسبة ، فإنها تجتاز اذن ، تحت تأثير الحرارة والرطوبة ، تحولا نوعيا ، فتنتش ؛ وعندئذ فإن الحبة ، بحد ذاتها ، تكف عن الوجود ؛ انها تنكر ، وفي مكانها تظهر النبتة التي نشأت عنها ، وهي انكار الحبة ولكن ما هي العملية الحياتية الطبيعية لهذه النبتة؟ انها تنمو ، وتزدهر ، وتلقح ، وأخيرا تنتج من جديد حبوب الشعير ، ولا تكاد هذه الحبوب تنضج حتى تموت الساق ، فهي تنكر بدورها. واننا لنحصل من جديد ، بنتيجة هذا الإنكار للانكار ، على حبة الشعير الأصلية من جديد ، لكن لا نحصل عليها لوحدها ، بل مضاعفة عشر أو عشرين أو ثلاثين مرة. ان انواع الحبوب تتغير ببطء فائق ، وهكذا فإن الشعير في اليوم الحاضر هو على وجه التقريب مثلما كان قبل قرن من الزمان. لكن اذا ما أخذنا نبتة تزيينية تشكيلية ، الداهليا أو الأركاديا على سبيل المثال ، وعالجنا البذرة والنبتة التي تنمو منها وفقا لفن البستنة ، فإننا لانحصل بنتيجة هذا الانكار على مزيد من البذور فحسب ، بل نحصل أيضا على بذور أفضل كيفيا ، بذور تنتج ورودا أجمل. وان كل تكرار لهذه العملية ، كل انكار جديد للانكار ، يشدد من عملية الكمال هذه

وإذا أخذنا الحشرات ، فإن هذه العملية تقتفي بالنسبة الى معظمها نفس الخطوط كما في حالة حبة الشعير. ومثال ذلك أن الفراشات تنبثق من البيضة بنتيجة إنكار للبيضة ، وتجتاز بعض التحولات حتى تبلغ النضوج الجنسي ، فتتزاوج وتنكر بدورها ، فتموت حالما تتم عملية التزاوج وتكون الأنثى قد وضعت بيوضها العديدة ………. ان انكار الانكار يقع فعليا في كلتي مملكتي العالم العضوي. وفضلا عن ذلك ، فإن علم طبقات الأرض برمته هو سلسلة من الانكارات المنكرة ، سلسلة من الدمار المتعاقب للتشكلات الصخرية القديمة ورسوبات التشكلات الجديدة

فريدريك أنجلس ، انتي دوهرينغ ، الطبعة العربية ، ترجمة فؤاد أيوب ، دار دمشق ، الطبعة الاولى ، 1965 ، ص 162-163

 نأتي الآن الى الاعتراضات النقدية على هذا القانون

هذا القانون كما اسلفنا من وضع هيغل وليس ماركس او أنجلس. وهيغل مثالي وليس مادي. قانون نفي النفي يصح من الناحية المنطقية في حالتين هما

اولا) أن تكون المثالية هي النظرية الصحيحة أي أن يكون الوعي له الاسبقية في الظهور على المادة ، ويكون نفي النفي موجود في عقولنا وتصوراتنا – أي في وعينا – وبما أن الوعي له الاسبقية في الظهور على المادة والمادة ليست سوى مخرج انتجه الوعي فهي – أي المادة – انعكاس للفكر وبالتالي فأن نفي النفي العقلي سينعكس ويؤثر في الموجود المادي أي الطبيعة والمجتمع

ثانيا) أن يكون نفي النفي ظهرة ذاتية للطبيعة أي أن الطبيعة تقوم بعملية نفي النفي من تلقاء ذاتها. ينتج من ذلك – لو كان هذا الفرض صحيح – أن الطبيعة (ومن ضمنها المادة غير الحية والمادة الحية الواطئة في سلم التطور العضوي التي لا تمتلك جهازا عصبيا) تعمل بصورة غائية أي أن لها ارادة

 نأتي الى هذين الاحتمالين واحدا واحدا : فأما بالنسبة للاحتمال الاول فان الفلسفة الماركسية تنفيه جملة وتفصيلا كونها فلسفة مادية وقد بين أنجلس ذلك بوضوح في مؤلفه العظيم جدليات الطبيعة بالنص الآتي

والخطأ يكمن في أن هذه القوانين (يقصد قوانين الديالكتيك – ملاحظة الصوت الشيوعي) قد فرضت على الطبيعة والتاريخ قوانين للفكر ، وليس قوانين مستنتجة منها.وهذا هو مصدر جميع المعالجة المفروضة والخيالية غالبا ؛ فعلى الكون شاء أم أبى الانسجام مع نظام للفكر ما هو بحد ذاته غير نتاج مرحلة محددة من تطور الفكر البشري. فإذا قلبنا الأمر ، يصبح كل شيء بسيطا ، وتصبح القوانين الجدلية التي تبدو غامضة إلى درجة قصوى في الفلسفة المثالية ، بسيطة وواضحة كوضوح الظهيرة في الحال

فريدريك أنجلس ، جدليات الطبيعة ، الطبعة العربية ، ترجمة محمد أسامة القوتلي ، منشورات دار الفن الحديث ، العالمي ، دمشق ، 1970 ، ص 87

اما بالنسبة للاحتمال الثاني أي أن يكون نفي النفي ظهرة ذاتية للطبيعة أي أن الطبيعة تقوم بعملية نفي النفي من تلقاء ذاتها فهذا للأسف الشديد ما تنادي به الفلسفة الماركسية الكلاسيكية ويعتقد به ماركس وأنجلس ولينين والكثير من الشيوعيين في ايامنا هذه. وهذا الاعتقاد مدرج بكل وضوح في عبارة “فهي تنكر بدورها” – المؤشرة بالأحمر العريض المائل – التي وردت في نص أنجلس من الانتي دوهرينغ الذي استشهدنا به في اعلاه لشرح فكرة قانون نفي النفي. لكن ، وكما اسلفنا للتو في اعلاه أن هذا الزعم يؤدي الى نتيجة مقادها أن الطبيعة (ومن ضمنها المادة غير الحية والمادة الحية الواطئة في سلم التطور العضوي التي لا تمتلك جهازا عصبيا) تعمل بصورة غائية أي أن لها ارادة ، وهذا ما ينفيه العلم جملة وتفصيلا ويرفضه العقل السليم. وأنجلس نفسه رفض هذه النتيجة في مكانات اخرى من نفس مؤلفه “الأنتي دوهرينغ” الذي نادي فيه بكون الطبيعة تقوم بعملية نفي النفي من تلقاء نفسها. فقد قال أنجلس قبل عدة صفحات من النص السابق الذي استشهدنا به لشرح قانون نفي النفي في اعلاه

ان مفهوم الغاية يزود الهر دوهرنغ بانتقال مفهومي الى العالم العضوي. وإنه ليستعير ذلك أيضا من هيغل ، هذا الذي يحقق في منطقه – أو مذهب الفكرة – الانتقال من الكيميائية الى الحياة بواسطة التيلولوغيا ، أو علم الغايات. وحيثما أرسلنا النظر في كتابات الهر دوهرنغ وقعنا على ((الفجاجة)) الهيغلية التي يكيلها لنا دونما ادنى حياء على اعتبارها العلم العميق الجذور الخاص به. وإن الأمر ليذهب بنا بعيدا ان شئنا ان نستقصي هنا مدى ما يكون مشروعا ومناسبا بالنسبة إلينا ان نطبق أفكار الواسطة والغاية على العالم العضوي. وعلى ايه حال ، فان تطبيق ((الغاية الباطنة)) الهيغلية – يعني الغاية التي لم يحملها الى الطبيعة فريق ثالث يفعل عن قصد وتصميم ، كما هي حال حكمة النعمة الالهية ، بل هي تقوم في الضرورة الخاصة بالشيء ذاته – يؤدي هذا التطبيق دائما بالاشخاص الذين لم يحصلوا ثقافة فلسفية كاملة الى ان يعزوا للطبيعة بكل تهور فعالية واعية وهادفة. ان هذا الهر دوهرينغ نفسه ، الذي يمتلىء بالاستياء الأخلاقي غير المحدود لدى اقل اتجاه ((روحاني)) عند الناس الآخرين ، يؤكد لنا ((بكل يقين ان الأحساسات الغريزية قد خلقت في الأصل بغية الرضى المتضمن في فعاليتها.)) وانه ليخبرنا ان الطبيعة المسكينة ((مجبرة باستمرار على الحفاظ على النظام في عالم الأشياء)) ، ولا بد لها إذ تفعل ذلك من تسوية اكثر من قضية واحدة تتطلب من جانب الطبيعة قدرا من الحنكة أكثر مما يعزى اليها عادة. لكن الطبيعة لا تعرف فحسب لماذا تصنع هذا الشيء او ذاك ، وليس من واجبها ان تنجز مهمات الوصيفة فحسب ، وهي لاتملك الحنكة فحسب ، هذه الحنكة التي تشكل بحد ذاتها إنجازا رائعا تماما في الفكر الواعي الذاتي بل ان لها ارادة أيضا. ذلك ان ما تفعله الغرائز فضلا عن ذلك ، اذ تلبي بصورة عارضة وظائف طبيعية مثل الغذاء ، التكاثر ، الخ …((يجب الا نعتبره مقصودا بصورة مباشرة ، بل بصورة غير مباشرة فحسب)). وهكذا فقد وصلنا الى طبيعة مفكرة وفاعلة بصورة واعية ، وبذلك نكون قد وقفنا على ((الجسر)) الذي اذا لم يصل بين السكوني والحركي ، فانه يصل بين المذهب الحلولي والمذهب الألوهي. أم لعل الهردوهرنغ ينساق قليلا ، ولو لمرة واحدة فقط ، مع ((نصف الشاعرية الطبيعية – الفلسفية))؟

ذلك محال

فريدريك أنجلس ، انتي دوهرينغ ، الطبعة العربية ، ترجمة فؤاد أيوب ، دار دمشق ، الطبعة الاولى ، 1965 ، ص 83-84

 ويقول أنجلس في مكان آخر

إن اللوم الرئيسي الموجه الى دارون هو انه نقل نظرية السكان المالتوسية من الاقتصاد السياسي الى العلم الطبيعي ، أنه وقع أسيرا لأفكار مربي الحيوانات ، أنه اتبع في نظريته عن الصراع من أجل الوجود شاعرية نصفية غير علمية ، وان الدارونية بأسرها ، بعد ما نحذف منها الأشياء التي استعارتها من لامارك ، هي تمجيد للتوحش موجه ضد الانسانية

نفس المصدر السابق ، ص 84

 ويواصل أنجلس كلامه

لقد رجع دارون من رحلاته العلمية بالرأي القائل إن الأنواع النباتية والحيوانية ليست ثابتة بل عرضة للتحول. ولم يكن يتوفر له ، في سبيل متابعة هذه الفكرة بعد رجوعه الى دياره ، حقل أفضل من حقل تنشئة الحيوانات والنباتات

نفس المصدر السابق ، ص 84

 ويواصل أنجلس كلامه

ولقد تبين لدارون أن هذه التربية تنتج بصورة مصطنعة ، بين الحيوانات والنباتات من الانواع نفسها ، فوارق أعظم من الفوارق التي نجدها بين الأنواع المعترف بها بصورة عامة على اعتبارها أنواعا مختلفة. وهكذا تقرر من جهة واحدة تحول الأنواع حتى درجة معينة ، ومن جهة اخرى امكانية وجود نسب مشترك من أجل العضويات ذات الخصائص النوعية المختلفة. ومن ثم فتش دارون عما اذا لم يكن في الامكان ان تتوفر في الطبيعة أسباب تنتج في سياق الزمن – دون قصد واع من جانب المربي – في العضويات الحية تبدلات مماثلة لتلك التبدلات الناشئة عن التربية الاصطناعية. ولقد اكتشف هذه الأسباب في عدم التناسب بين العدد الفائق من البذور التي تخلقها الطبيعة والعدد التافه من العضويات التي تبلغ مرحلة النضوج بصورة فعلية. لكنه لما كانت كل بذرة تسعى الى النمو ، فانه ينشأ بالضرورة صراع من أجل الوجودلا يتظاهر بمجرد قتال بدني مباشر أو التهام فحسب ، بل كصراع في الوقت ذاته من أجل المكان ومن أجل النور حتى بالنسبة الى النباتات

نفس المصدر السابق ، ص 84-85

ويواصل أنجلس كلامه

وفي رأيه أنه من الواضح أن الحديث عن الصراع من اجل الوجود لايمكن ان يجري بشأن النباتات غير الواعية وأكلة النباتات الدمثي الأخلاق. ((ان الصراع من اجل الوجود ، في معناه الدقيق والمحدد ، موجود في مملكة التوحش بقدر ماتحيا الحيوانات على الطرائد وافتراسها)). وبعد ما يقصر فكرة الصراع من اجل الوجود على هذه الحدود الضيقة ، فانه يستطيع أن يشفي غليله من وحشية تلك الفكرة التي قصرها هو نفسه على الوحشية. بيد أن هذا الاستياء الأخلاقي لا يرتد سوى على الهردوهرنغ وحده ، الذي هو في الحقيقة المؤلف الوحيد للصراع من اجل الوجود بهذا المفهوم الضيق ، وبالتالي فانه وحده المسؤول عنه. وبنتيجة ذلك فليس دارون هو الذي ((يبحث عن قوانين سائر افعال الطبيعة ويحاول فهمها في مملكة الوحوش)) – في الحقيقة ان دارون شمل بكل وضوح مجموع الطبيعة العضوية في هذا الصراع – بل غول وهمي اخترعه الهر دوهرنغ نفسه. ولهذه الغاية فانه يمكن التضحية بكل طيبة خاطر بالاسم ، الصراع من اجل الوجود ، لاستياء الهر دوهرنغ الأخلاقي الرفيع(ان العلماء المحدثين يتفقون مع أنجلز في لوم دارون بسبب هذه التسمية التي اختارها : الصراع من اجل الوجود ، اذ هي تسيء التعبير عن فكرته الاساسية ، وتوحي الى القارىء بأن يعتبر هذا الصراع ثمرة للوعي والارادة ، مثله مثل المنافسة البشرية في المجتمع الراسمالي – هامش). أما ان هذه الحقيقة موجودة بين النباتات ايضا ، فذلك ما يمكن تبيانه له بواسطة كل مرح ، وكل حقل من الحبوب ، وكل غابة ؛ وليست المسألة المتنازع عليها ماذا يجب تسمية ذلك ، ((الصراع من أجل الوجود)) أم ((الافتقار الى شروط الحياة والتأثيرات الميكانيكية)) ، بل كيف تؤثر هذه الحقيقة على بقاء الأنواع او تحولها. وإن الهر دوهرنغ ليلوذ في هذا الخصوص بصمت عنيد ومتكافىء ذاتيا. وبالتالي فانه يمكن في الوقت الحاضر أن تظل الأشياء جميعا على ما كانت عليه في الانتقاء الطبيعي

نفس المصدر السابق ، ص 86-87

وقد قال دارون نفسه ما يأتي

ولقد أخطأ بعض الكتاب فهم المقصود من ((الانتخاب الطبيعي)) أو اعترضوا عليه. وظن البعض الآخر أنه السبب الذي ينتج الاستعداد للتحول ، مع أن تأثيره مقصور على حفظ التحولات التي تظهر في العضويات ، وتكون مفيدة لها في حياتها الطبيعية. بيد أنهم لم يعترضوا على ما يقوله الزارعون من تأثير قوة الإنسان في الانتخاب. ذلك لأن التباينات الفردية التي تبدعها الطبيعة في صور الكائنات ، والتي ينتخبها الإنسان لأمر ما ، هي أول التباينات حدوثا بحكم الضرورة. واعترض البعض على ((الانتخاب)) بأنه يدل على انتخاب الحيوانات التي تهذبت صفاتها انتخابا مقصودا بالذات لا غير. وبلغ بهم الإغراق إلى الاستدلال بأن النباتات إذ هي معدومة الإرادة والاختيار ، فلا يكون للانتخاب الطبيعي عليها من سلطان. على أن اصطلاح ((الانتخاب الطبيعي)) ذاته ليس بصحيح من الوجهة اللفظية بيد أنني لم أر من جهة أخرى اعتراضا على علماء الكيمياء لدى كلامهم في ((الخصيات الانتخابية لكل عنصر من العناصر المختلفة)) في حين أنه لا يجوز أن يقال إن أي حمض من الأحماض يختار العنصر الذي يفضله للامتزاج به ، ويكون الكلام صحيحا من كل الوجوه! وقيل: إنني لم أتكلم في ((الانتخاب الطبيعي)) إلا باعتبار أنه قوة فاعلة غالبة ، أو أنه مستمد من وراء الطبيعة. أفيعترض لهذا على أي من الكتاب لدى قوله : ((إن جاذبية الثقل هي التي تضبط سير الأجرام السماوية وتحدد مقدارها))؟ وغير خفي ما يقصد بهذا الاصطلاح المجازي زما يراد الاستدلال به. كذلك ليس من الهين أن تدع تجسيم لفظة ((الطبيعة)) في كل ذلك. ولست أقصد بالطبيعة سوى فعل الاستجماع مقرونا بتأثير السنن الأخرى. كما أني لا أقصد بالسنن سوى تتابع وقوع الحوادث الكونية كما ثبتت حقائقها لدينا. لذلك ينبغي أن نغض الطرف عن هذه الاعتراضات الواهية وأمثالها ، وإن كان لها بعض الشأن على اعتبارات عرضية صرفة

جارلس دارون ، أصل الانواع ، الطبعة العربية ، ترجمة إسماعيل مظهر ، منشورات مكتبة النهضة ، بيروت – بغداد ، 1973 ، ص 214-215

 وقد اثبت العلم الحديث الطبيعة التصادفية – اللاسببية وبالتالي غير الغائية – لعملية التطور العضور والانتخاب الطبيعي

ان فكرة كون الطبيعة تعمل بصورة غائية توصل ، كما بين أنجلس الى فكرة طبيعة مفكرة وفاعلة بصورة واعية. وهذه الأخيرة يمكن تؤدي الى فكرة فلسفية تعرف ب “البانسايكزم” أي القول بأن كل شيء في الطبيعة يمتلك فكرا او روحا. انها فكرة سخيفة يرفضها العلم – راجع الحوار بين أكلس وبوبر في الجزء الحواري بينهما في  كتاب النفس ودماغها لبوبر وأكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج وكيغن باول ، لندن بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983 ، ص 517-518

وهنا تجدر الاشارة الى نص ملفت للنظر لأنجلس في نفس مؤلفه الانتي دوهرنغ وهذا نصه

وهكذا فإذا كانت الضفادع البرية والحشرات القارضة لأوراق الشجر خضراء اللون ، وحيوانات الصحراء صفراء بلون الرمال ، وحيوانات المناطق القطبية بيضاء بلون الثلج على الأغلب ، فمن المؤكد أنها لم تتخذ هذه الألوان عن قصد أو مطابقة مع أية تصورات ، بل الأمر على النقيض من ذلك ، اذ لايمكن تعليل الألوان إلا على أساس القوى الحكمية والعوامل الكيميائية. ومع ذلك فإنه لا سبيل للانكار بأن هذه الحيوانات هي متكيفة بصورة غائية. بسبب تلك الألوان ، مع البيئة التي تحيا فيها ، بمعنى أن مشاهدتها أصبحت أشد صعوبة الى أعدائها. وان بعض النباتات التي تمسك بالحشرات الواقفة عليها وتلتهمها لهي متكيفة بالطريقة ذاتها تماما مه هذا العمل ، بل متكيفة بصورة غائية. وبنتيجة ذلك ، فإنه اذا كان الهر دوهرنغ يصر على أن هذا التكيف يجب ان يتحقق بواسطة التصورات ، فإنه كمن يقول – لكن بكلمات أخرى – أن الفعالية الغائية يجب أن تتحقق أيضا بواسطة التصورات ، يجب أن تكون واعية وهادفة. وإن هذا ليؤدي بنا ، كما هي الحال عادة في فلسفته عن الواقع ، الى خالق غائي ، الى الله. ويحدثنا الهر دوهرنغ قائلا : ((ان تعليلا من هذا النوع قد كان يدعى حلوليا ، ولم يكن موضوعا للتفكير … بيد أن الأمور تلوح الآن ، في هذا المجال أيضا ، وكأنها تطورت بصورة رجعية

فريدريك أنجلس ، الانتي دوهرنغ ، الطبعة العربية ، ترجمة فؤاد أيوب ، دار دمشق ، الطبعة الاولى ، 1965 ، ص 88-89

 على الرغم من أن أنجلس ينفي في هذا المقطع المصدر الفكري – التصورات العقلية – للعمليات الطبيعية إلا انه في نفس الوقت يثبت الفعل الغائي (الغرضي) التلقائي للطبيعة. ان في ذلك نقض لكل تأكيدات أنجلس بعدم صحة ذلك والتي وردت في نصوصه السابقة التي وقبل عدة صفحات قليلة في نفس المؤلف “الانتي دوهرنغ”. ان عملية التكيف التي تحدث من خلال ظاهرة الانتخاب الطبيعي ، وكما يقول العلم الحديث تتم بصورة تصادفية (عشوائية) وليس غرضية

ولكي نكون منصفين مع أنجلس وماركس ولينين في خطئهم عندما اعتبروا أن الطبيعة تقوم من تلقاء ذاتها بنفي النفي ، ننوه بأن كارل بوبر فيلسوف القرن العشرين وقع في خطأ مشابه – ولو أقل عمومية بكثير من خطأ ماركس وأنجلس ولينين – عندما اعتبر أن عملية الانتخاب الطبيعي تتم بصورة شبه غرضية وأن الكائنات الحية تختار اختيارا حقيقيا بيئتها وهذا من آراء بوبر التي لا يوافق عليها العلم الحديث كما اشار بوبر الى ذلك في هامشه الموجود ضمن الفقرة الآتية التي يعرض فيها فكرته حول غرضية التطور العضوي

قال بوبر

من خلال تبني شكل جديد من السلوك قد يغير الكائن الفرد بيئته. …… قد يفضل حيوان نوع جديد من الطعام بصورة واعية ، نتيجة للممارسة والخطأ. هذا يعني تغير بيئته الى درجة أن الجانب الجديد من البيئة يضطلع بأهمية عضوية (بيئية) جديدة. بهذا الطريق ، قد تؤدي تفضيلات الفرد وخبراته الى الانتخاب ، وربما حتى الى البناء ، للكوة البيئة الجديدة. من خلال هذا الفعل الفردي ، قد”يختار” الكائن ، حيث يكون ، بيئته(2) ؛ وربما يعرض نفسه واحفاده الى مجموعة جديدة من ضغوط الانتخاب ، المميزة للبيئة الجديدة. وهكذا فأن فعالية ، تفضيلات ، خبرة ، وخواص الكائن الفرد قد تؤثر بصورة غير مباشرة على الضغوط الانتخابية التي يتعرض لها ، وعلى نتائج الانتخاب الطبيعي

—————

هامش 2) في حين أني اعتقد ان الحيوانات والبشر يقومون بعملية اختيار حقيقي ، يستطيع المادي ، بالطبع ، أن يفسر مثل هذه الاختيارات على انها في النهاية ليست سوى نتائج العشوائية ومرشحات الانتخاب. على أية حال ، ليس من شأني مناقشة هذا الموضوع هنا – هامش لكارل بوبر في النص اعلاه

من كتاب النفس ودماغها لكارل بوبر وجون أكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج وكيغان باول ، لندن ، بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983 ، ص 12

****************

من هنا يتبين اهمية دراسة تراث ستالين النظري وتحليله بغية التعرف على ما هو صائب وما هو خاطيء فيه ، واهمية التمسك بصحيحه ، على الرغم من الأخطاء المدمرة التي ارتكبها هذا القائد الشيوعي الكبير. فقد اسقط ستالين في “كتيبه” المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية قانون نفي النفي واستعاظ عنه بقانون الحركة والتطور نحو الامام في الطبيعة والمجتمع والذي يفسر مجرى التطور على هيئة خط مستقيم كما يرى العلم الحديث ذلك. هناك من يحتقر تراث ستالين النظري ومؤلفاته النظرية واصفا اياها احتقارا لحجمها الصغيرب “كتيبات”. ان مثل هؤلاء لا يعرف ما لهذه الكتيبات من قيمة وما تحتويه من بلاغة. أن البلاغة تعني تأدية اكبر عدد ممكن من المعاني بأقل عدد ممكن من الكلمات. فاذا قارنا كتاب لينين العظيم “المادية والمذهب النقدي التجريبي” مع “كتيب” ستالين المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية ، نجد أن الأخير لا يقل قيمة عن الاول بشموله حتى قيل عنه أنه يجمع مباديء الأشتراكية العلمية بين غلافيه. وبالأضافة الى شمولية هذا الكتيب فقد ازال خطأ كبيرا من الفكر الشيوعي يتضمنه مؤلف لينين الظخم

Advertisements

نُشرت بواسطة

Communist Voice

ماركسي - لينيني - ماوي معادي للتحريفية و الامبريالية. Marxist - leninst - maoist, anti-revisionist & anti-imperialist Revolutionarist