لا مادية الوعي وعبقرية لينين

في هذه المقالة نسلط الضوء على انجاز خارق حققه العقل الجبار لأبو البلاشفة لينين العظيم : القول بلا مادية الوعي

في عهد لينين كان مستوى المعرفة العلمية واطيء عن ما هو علية في ايامنا هذه. وكان جميع الفلاسفة الماديين ينظرون نظرة احادية بمعنى التطابق وليس الاستمرار. فكانوا ينكرون وجود أي كينونة غير المادة وكانوا لدى بحثهم لموضوع العلاقة بين المادة والوعي يعتبرون ان الوعي شيء مادي ويستدلون على ذلك بكون الوعي مرتبط بعمل الحواس

فقط لينين خالف هذه القاعدة فقد كان الفيلسوف المادي الوحيد في عصره الذي قال بلامادية الوعي على الرغم من كونه فيلسوف مادي احادي بمعنى التطابق وعلى الرغم من ربطه للوعي بعمل الحواس

فقد قال لينين

أن يكون الفكر والمادة ((واقعيين)) ، أي انهما موجودان ، هذا صحيح. لكن القول ان الفكر مادي هو خطوة فاسدة نحو خلط المادية والمثالية. – لينين ، الدفاتر الفلسفية-2 ، الجزء الاول ، الطبعة العربية ، بيروت ، دار الحقيقة ، ترجمة وتعليق الياس مرقص ، الطبعة الاولى ، 1974 ، ص 39

 وقال لينين

إن دعوى شمول الفكر في مفهوم المادة هي اختلاط ، بلبلة ، إذ عندئذ يفقد التعارض العرفي بين المادة والروح ، بين المادية والمثالية ………. – لينين ، الدفاتر الفلسفية-2 ، الجزء الاول ، الطبعة العربية ، بيروت ، دار الحقيقة ، ترجمة وتعليق الياس مرقص ، الطبعة الاولى ، 1974 ، ص 41

 ويعلق على ذلك الياس مرقص قائلا:

إن أطروحة ((الفكر مادي)) ، ((الروح مادية)) ، يمكن أن تنال ، وهي تنال ، موافقة بوشنر وديتسغن (اي الطرفين المتعاكسين) ، ولكن هذه ((المادية المساوية)) لا تنال موافقة لينين قطعا. هذا عن الأطروحة. بالطبع ، كعبارة مقطوعة ، قائمة لذاتها ، إن هذه العبارة الحادة (كغيرها من عبارات قوية وحادة وبسيطة) ، يمكن أن تحمل معاني مختلفة ومتعارضة ، أي أنها ملتبسة. كأطروحة فلسفية ، نرفضها بلا تحفظ – لينين ، الدفاتر الفلسفية-2 ، الجزء الاول ، الطبعة العربية ، بيروت ، دار الحقيقة ، ترجمة وتعليق الياس مرقص ، الطبعة الاولى ، 1974 ، ص 41

لقد رأينا في المقالات السابقة كيف ان مفهوم المادة قد تغير بتطور العلوم الفيزياوية ذاتها. فبعد ان كانت توصف بانها كل ما له حجم وكتلة اصبحت تعرف بانها عبارة عن طاقة مظغوطة بصورة شديدة. ورأينا كيف تغير المفهوم المادي للكون فبعد ان كان قائما على فكرة تقدم المادة على الوعي من حيث الاسبقية في الظهور واعتبار المادة الشيء الوحيد الموجود فعليا وان الكون لا يحتوي الا على اشياء مادية ، اصبح الآن يقول بتقدم المادة على الوعي من حيث الاسبقية في الظهور من دون ان يعتبر ان المادة تمتلك الاسبقية المطلقة للظهور ، فبعدما كانت الطاقة تعتبر مظهر من مظاهر المادة انقلبت الفكرة فاصبحت المادة مظهر للطاقة كونها طاقة مظغوطة واصبحت الطاقة هي التي لها الاسبقية المطلقة في الظهور على المادة وتم اعتبار ان المادة ظهرت للوجود بعد الطاقة وتم اعتبار الطاقة الشكل الاقدم للوجود ، واصبح ينظر للكون بوصفه مجموعة عمليات وليس مجموعة اشياء. ورأينا كيف اخذ العلم والفلسفة العلمية ينظر الى كل ما ليس له حجم وكتلة بالمعنى الكلاسيكي للمادة (أي كل ما لا ينطبق عليه التعريف الحديث للمادة بأنه طاقة مظغوطة بصورة شديدة) بانه كينونة غير مادي. فالجاذبية والكهربائية والالكترونات والمجالات المغناطيسية والطاقة نفسها اصبحت تعتبر من وجهة نظر الفلسفة العلمية الحديثة كينونات غير مادية. فالالكترون على سبيل المثال يمتلك كتلة والفوتون يمتلك كتلة ايضا لاكن كتلة كل منهما تقارب الصفر لذا لا ينطبق كليهما التعريف الكلاسيكي للمادة :كل ما له حجم وكتلةلأن كتلتاهما ليستا كتلة بالمعنى المألوف. عندئذ اصبح ينظر للكون على انه خليط من الكينونات المادية وغير المادية. فاصبح مفهوم اللامادي مثبت علميا

واتت علوم الباراسايكولوجي لتعلن انها تتعامل مع مكونات غير مكانية. وفشلت جميع المحاولات لتفسير الوعي بالاعتماد على اعطائه صفة فيزيائية كمادة لا بل حتى  كطاقة الكلاسيكية. فقد حاول العلامة السوفيتي فاسيليف اختبارها باخذ عينتين الاولى وظعها في غرفة معدنية مغلقة ، والثانية وظعها في غرفة خشبية مغلقة لا تمنع مرور الموجات الكهرومغناطيسية. فلم يسجل فرق بين نتائج التجربتين ، ولم تثبت نظرية الموجات الكهرومغناطيسية. كذلك فشلت باقي النظريات الاخرى التي تحاول ان تفسر الوعي باعطائه صفة فيزيائية من أي نوع آخر كالبايوبلازم او الالكتروبلازم. فعلم الباراسايكولوجي يرى ان الظواهر الوعي يختلف عن باقي الظواهر بكونه ذات صفات غير فيزيائية. فالدليل الآن مقنع بصورة كافية في علم الباراسايكولوجي على اننا نتعامل مع عمليات غير فيزيائية

ولدى دراسة التحولية في الباراسايكولوجي تنتصب نظرية فرسوف حول وجود النايترينو لتصبح ترنيمة لنظرية آينشتاين في تحول الطاقة الى مادة

يقول الفلكي فرسوف :الكون كما يبدو بعين من نايترينو سوف يظهر بشكل غير مألوف بالمرة. ارضنا والكواكب الاخرى ببساطة لن تكون حيث هي ، او في افضل الاحوال تظهر على هيئة رقع نحيفة من ضباب او سديم. الشمس والنجوم الاخرى ربما تظهر بصورة معتمة ، بقدر ما تشعه من نايترينو …….. دماغ من نايترينو ربما يخمن وجودنا من خلال بعض التاثيرات الثانوية التي نحدثها نحن ، لكن سوف يجد صعوبة كبيرة للبرهان على وجودنا بالاعتماد على ذلك

عالمنا ليس اكثر حقيقية من حقيقية عالم من ناترينو – فالنايترينو توجد ، لكن في نوع مختلف من المكان ، محكوم بقوانين مختلفة …….. في مكاننا لايوجد جسم مادي قادر على ان يسير بسرعة اكبر من سرعة الضوء ، لانه عند هذه السرعة كتلته وكذلك قصورة الذاتي يصبحان مالانهاية. لكن النايترينو لا يخضع لا لمجالات الجاذبية ولا للمجالات الكهرومغناطيسية ، لذا فهو غير محكوم بهذا الحد من السرعة وربما يمتلك زمانه الخاص المختلف. ربما يكون قادرا على الحركة بسرعة اكبر من سرعة الضوء ، بما يجعله يتراجع في الزمن حسب مقايسنا للزمان في الخاصة بعالمنا

ويواصل الفلكي فرسوف قائلا

من خلال تحليلاتنا للكينونات العقلية ، يظهر لنا بانها لا تمتلك موقعا محددا في ما يسمى المكان الفيزياوي او ما يمكن ان نسميه بصورة ادق المكان الجذبي-الكهرومغناطيسي ، ومن هذه الناحية فان الكينونات العقلية تشبه نايترينو ، او الكترون سريع. هذا يؤدي الى اقتراح وجود نوع خاص من المكان العقلي يحكم بقوانين مختلفة

*****************

وجائت بعد ذلك البحوث والتجارب التي اجراها جون أكلس وديك وكورنهوبر وليبيت وغيرهم لتثبت بأن الوعي يمتلك صفات زمانية وان له قدرة على خداع الزمن. لكن جميع الجهود التي بذلت من اجل ايجاد بعد للوعي في المكان بائت بالفشل. واستقر العلم على اعتباره كينونة لامكانية. فالوعي له بعد في الزمن ولكن ليس له بعد في المكان

يتأتى من كل ما سبق ذكره اعلاه بأن الوعي كينونة غير مادية

فالعلم الحديث والفلسفة العلمية المعاصرة ترى ان الكون يشتمل على نوعين من المكونات

اولا) مكونات فيزياوية : وهذه تشمل نوعين : مكونات فيزياوية لا مادية كالجاذبية والمجالات الكهربائية والالكترونات والمجالات المغناطيسية والطاقة ، ومكونات فيزياوية مادية وهذه تشير الى كل ما ينتج من انضغات الطاقة الى درجة شديدة جدا

ثانيا) مكونات غير فيزيائية : وهي المكونات العقلية ، ويعتبر العلم الحديث والفلسفة العلمية المعاصرة هذا النوع من المكونات استمرار للمكونات الفيزيائية كونها – أي المكونات العقلية – ناتجة من المكونات الفيزيائية بعملية انبثاق من هذه الاخيرة

لقد كان كارل بوبر اول فيلسوف مادي بعد لينين قال بلا مادية الوعي. لقد سبق لينين بوبر وأكلس وديك وكورنهوبر وليبيت وسبق علماء الباراسايكولوجي وسبق فرسوف وآخرين ، سبق كل هؤلاء في القول بلامادية الوعي في وقت كانت المعرفة العلمية متأخرة بحيث كانت غير قادرة على اعطاء دليلا على ذلك

  في حقيقة الامر ان القول بلا مادية الوعي في ذلك الوقت ومن قبل فيلسوف مادي مثل لينين يدين بالفلسفة الاحادية بمعنى التطابق (أي تطابق العمليات العقلية مع العمليات الفسلجية للدماغ) (لاحظ الهامش رقم 1) يعتبر ظربا من التفكير اللامنطقي ودليل على لاعقلانية صاحب التفكير ، ذلك أن القول بتطابق العمليات العقلية مع العمليات الفسلجية للدماغ يعني من الناحية المنطقية أن العقل والدماغ هما نفس الشيء ، فهل كان لينين كذلك؟ الجواب طبعا لا. طبعا لا ليس انحيازا الى لينين بسبب انتماء مؤلف هذه المقالة للشيوعية. بل انها عبقرية لينين : انه حس لينين الفلسفي المرهف والخارق هو الذي جعله يقفز على زمانه هذه القفزة الجبارة. ان الصوت الشيوعي لا يمتلك كدارس للفلسفة والعلوم الا ان ينحني لهذه العبقرية. فنقدنا لاخطاء لينين الفلسفية مثل تناقض تعريفه للمادة واعتقاده بقانون نفي النفي الخاطيء الذي الغاه ستالين لا ينتقص من عظمة ابو البلاشفة شيء. فالمعرفة الانسانية كما قلنا وسنظل نقول مطلقة ونسبية معا وحتى لو وضع الانسان نظرية او قانون وكان صحيح بصورة تامة في لحظة التوصل اليه فانه سوف تشوبه الاخطاء بعد فترة من الزمن بسبب من طبيعة الكون في الصيرورة المستمرة والتي لا تسمح بوجود قوانين او نظريات ثابتة وصحيحة بصورة مطلقة

 —————————–

  هامش رقم 1) لقد كان لينين فيلسوف مادي احادي ونقول احادي بمعنى الاستمرار أي انه كان يعتقد بوحدة العالم وان الكون هو كل واحد لا يتجزء ، وليس بمعنى التطابق (أي القول ان الوعي هو المادة والمادة هي الوعي) فقد كان لينين يرفظ بشدة هذه الفكرة وبذلك فان تفكيره من هذا الجانب يتفق مع النظرية المادية الحديثة (الحالية) للوعي – نظرية التحول الاحادي ، لكنه كان يعتقد بتطابق العمليات العقلية مع العمليات الفسلجية للدماغ =أي انه كان يرفض الثنائية= وهذا ما ترفضه نظرية التحول الاحادي فقد اثبت العلم الحديث عدم صحته -ملاحظة الصوت الشيوعي

مصادر المقالة

Benjamin B. Wolman: Hand book of parapsychology , Van Nostrand Reinhold Company , New York

Karl R. Popper & John C. Eccles: The Self & its Brain , Routlegde & Kegan Paul plc , 1983

ملاحظة: لقد تم مراجعة المعلومات الموجودة في المصدرين على ضوء آخر ما توصل اليه العلم من خلال الرجوع الى الانترنيت وسؤال ذوي الاختصاص للتاكد من صلاحيتها وعدم تخلفها وموافقتها للعلم الحديث حتى لحظة كتابة هذه المقالة

Advertisements

نُشرت بواسطة

Communist Voice

ماركسي - لينيني - ماوي معادي للتحريفية و الامبريالية. Marxist - leninst - maoist, anti-revisionist & anti-imperialist Revolutionarist