مادية تسمو فوق الموجود المادي

بقلم فيلسوف القرن العشرين كارل بوبر

ترجمة الصوت الشيوعي

 تم حذف الهوامش 1 ، 2 ، 3 ،5 ، 6 لبوبر بالنظر لعدم اهميتها واكتفينا بذكر الهامش رقم 4 لبوبر مع اضافة تعليق ايضاحي عليه لأهميته العلمية. كذلك تم حذف اشارات بوبر الى قطع لاحقة او سابقة لهذه القطعة وردت في نفس المصدر

المادية كحركة فلسفية عملت على الهام العلم. فقد خلقت اثنان من اقدم برامج البحث العلمي والتي لا تزال من اكثرها اهمية ، ناموسين متضادين ، اندمجا مؤخرا. احداهما نظرية الامتلاء لبارمنيديان ، والتي تطورت الى نظرية استمرار المادة والتي قادت كل من فارادي وماكسويل ، ريمان ، كليفورد ، وفي ايامنا ، آينشتاين ، شرودينجر و ويلر ، قادتهم جميعا الى نظرية المجال للمادة ، والى الجيومتروداينمك النسبي. النظرية الثانية هي الذرية لليوسيباص ، ديمقراط ، ابيقور ، ولوكريطس ، والتي أدت في نهاية المطاف الى النظرية الذرية الحديثة ، ونظرية آنشتاين في النسبية

فوق ذلك كلا هذين البرنامجين سميا على نفسيهما بدرجة ما. كلا البرنامجين بدئا من النظرية القائلة بأن المادة ، بمعنى شيء ما ممتد في الفضاء ، او يشغل فضاء (او اجزاء من الفضاء) ، هي – أي المادة (ملاحظة الصوت الشيوعي) – عنصر نهائي ؛ اساسي ، جوهري : أي جوهر غير قابل لأيضاح اكثر ولايحتاج الى مثل هذا الأيضاح ، وهكذا فهي (أي المادة – ملاحظة الصوت الشيوعي) اصل يجب أن ، وممكن أن ، تفسر جميع الأشياء الأخرى بالأعتماد عليه (أي أن المادة هي أصل كل شيء في الكون – ملاحظة الصوت الشيوعي). هذه النظرة للمادة أبطلت اول الأمر من قبل ليبنز وبوسكوفيتش. الفيزياء الحديثة تشتمل على نظرية توضيحية للمادة ، ولخصائص المادة ، مثل خاصية امتلاك حجم (قسم يسميها خاصية “اللانفاذية”) ، او خاصية المرونة ، التماسك ، و “حلات” المادة (او “حالات التجمع” : صلب ، سائل ، الغازات). وهكذا من خلال توضيح المادة وخصائصها سميت الفيزياء الحديثة على البرنامج الأصلي للمادية. في الحقيقة أن الفيزياء نفسها هي التي قدمت اكثر الحجج أهمية ضد المادية الكلاسيكية

  سوف الخص بأيجاز اهم هذه الحجج. المادية الكلاسيكية لليوسيباص او ديمقراط ، مثلها مثل النظرية اللاحقة لديكارت او هوبيس ، افترضت أن المادة او الجسم “الجوهر الممتد” يملأ اجزاء من الفضاء او ربما كل الفضاء ، وأن الجسم يمكن أن يدفع جسم آخر. وهكذا أصبح الدفع او التصادم هو المفسر للتفاعل السببي (“الفعل بواسطة الأحتكاك”). فالعالم نظام رتيب من الأجسام التي يدفع احدها الآخر مثل العجلات المسننة

هذه النظرية تم خرقها لأول مرة بواسطة نظرية الجاذبية لنيوتن ، والتي كانت : 1) سحب ، وليس دفع و 2) فعل عن بعد اكثر من أن تكون فعل عن طريق الأحتكاك. نيوتن نفسه انتبه الى ذلك ؛ لكنه وخلفائه (وخاصة ليساج) لم يوفقوا في جهودهم لتوضيح السحب الجبي بالأعتماد على مبدأ الدفع. مع ذلك ، هذا الخرق الأول للمادية الكلاسيكية تم اصلاحه من طريق توسيع لفكرة النظرية المادية وكما يأتي : اعتبر اتباع نيوتن أن السحب الجذبي على انه صفة “اساسية” للمادة ، غير قابلة للأيضاح ولا تحتاج لهكذا أيضا

واحد من اهم الأحداث في تأريخ سمو المادية على الموجود المادي كان اكتشاف ثومسن للألكترون والذي قام (وكذلك لورنتز) وصفه على انه جزء بالغ الصغر من الذرة. وهكذا فأن الذرة – والتي كانت تعتبر غير قابلة للأنقسام – أصبحت قابلة للأنقسام. كان هذا سيء بالنسبة للمادية الكلاسيكية ؛ لكن كان من الممكن التكيف له من خلال اعتبار الذرة نظام يتكون من جسيمات مادية مشحونة ذات حجم أصغر ، الكترونات وبروتونات ، والتي يمكن اعتبارها قطع مشحونة صغيرة جدا من المادة

 النظرية الجديدة تستطيع أن توضح الدفع بين قطع المادة (“لا نفاذية المادة”) من خلال التنافر الكهربائي لجسيمات متساوية الشحنة (القشرة الالكترونية للذرة). كان هذا مقنع ، لكنه في نفس الوقت ادى الى نسف الفكرة القائلة بأن الدفع كان “اساسيا” ، اعتمادا على خاصية ملأ الفراغ التي تمتلكها المادة كصفة اساسية ، وبأن الدفع هو الطراز لكل الفعل السببي الفيزيائي. جسيمات اولية اخرى الآن اصبحت معروفة لا يمكن أن توصف بأنها قطع مشحونة (او غير مشحونة) من المادة – مادة بمفهوم المادية – لأنها غير مستقرة : فهي قابلة للتفسخ. علاوة على ذلك ، حتى الجسيمات المستقرة يمكن أن تفنى من طريق الأزدواج ، مع تكوين فوتونات (كمات ضوئية) ، ويمكن أن تخلق ، من الفوتون (أشعة غاما). لكن الضوء ليس مادة** ، على الرغم من كون الضوء والمادة شكلان للطاقة

لذا فأن قانون انحفاظ المادة المادة (والكتلة) اصبح باطل ؛ واتضح أن المادة ليست جوهر ، لانها لا يمكن أن تحفض : انها يمكن أن تدمر ويمكن أن تخلق. حتى أكثر الجسيمات ثباتا ، النواة ، يمكن أن تدمر بواسطة التصادم مع جسيماتها المضادة ، حيث عندها ستتحول طاقتها الى ضوء. بالنتيجة فأن المادة اصبحت ينظر اليها بوصفها طاقة مضغوطةبصورة فائقة الشدة، قادرة على التحول الى اشكال اخرى من الطاقة؛ وبالتالي فانها  تمتلك طبيعة كونهاعملية (process) ذلك انها (أي المادة – ملاحظة الصوت الشيوعي) قادرة على التحول الى عمليات اخرى كالضوء وبالطبع ، الى حركة والى حرارة ايضا

لذا نستطيع القول بأن من نتائج الفيزياء الحديثة انه ينبغي أن نتخلى عن فكرة الجوهر. أن نتائج الفيزياء الحديثة ترى انه لا توجد هناك كينونة تضل مماثلة لنفسها خلال كل التغيرات الحاصلة عبر الزمن (على الرغم من أن قطع المادة تفعل ذلك تحت الضروف “المألوفة”)، أي أنه لا يوجد هناك جوهر أي ما يملك على الدوام صفات او خصائص الشيء(يرجى ملاحظة التعليق على الهامش رقم 4 – ملاحظة الصوت الشيوعي). فالكون كما يبدو الآن ليس مجموعة من الأشياء ، بل مجموعة مترابطة من الأحداث او العمليات(كما اكد ذلك على وجه الخصوص من قبل وايتهيد) (في الأصل متفاعلة وليست مترابطة لكننا استعضنا عنها بمترابطة بما يتفق ووجهة نظر العلم حيث ان النظرية الحالية للوعي نظرية تحولية وليس تفاعلية كنظرية بوبر – ملاحظة الصوت الشيوعي

 وهكذا فأن الفيزيائي المحدث يقول أن الأشياء الفيزيائية – الأجسام ، المادة – تمتلك تركيب ذري. لكن الذرات تمتلك تركيب هي أيضا ، تركيب يصعب وصفه بال “مادي” ، وبالتأكيد ليس “جوهري” (لانه قابل للانحلال – ملاحظة الصوت الشيوعي) : فمن خلال برنامج توضيح تركيب المادة ذاته ، سمت الفيزياء على الموجود المادي

كل هذا التطورالذي جرى خارج نطاق الموجود المادي كان بنتيجة المتعلقة بتركيب المادة ، كونها تتكون من ذرات ، وبالتالي فانه نتج عن برنامج البحث المادي ذاته. (هذا هو سبب ما اتحدث عنه من سمو المادية على نفسها.) لقد ابقت المادية الحديثة على اهمية وحقيقية المادة والأشياء المادية – الذرات ، الجزيئات ، وتركيب الجزيئات دون المساس بهما. ويمكن القول ان المادية الحديثة ادت الى احداث زيادة في مفهوم ما هو واقعي (أي حقيقي). لانه في تاريخ المادية وعلى الاخص في تاريخ الذرية ، كانت واقعية المادة مشكوك فيها ليس فقط من قبل الفلاسفة المثاليين من امثال بركيلي وهيوم بل حتى من قبل الفيزيائيين ، في اثناء الفترة المبكرة من ظهور النظرية النسبية ، من امثال ماخ. لكن ابتداءا من 1905 (تاريخ طرح آينشتاين للنظرية الجزيئية للحركة البراونية) ، حيث بدئت الأمور تختلف ، وحتى ماخ غير رأيه ، مؤقة على الأقل ، ليس بفترة طويلة قبل وفاته ، عندما أظهر له على شاشة وميضية توهجات صادرة من جسيمات الفا ، وهي الشظايا الناتجة من تدمير ذرات الراديوم. لقد تم قبول الذرات ك “حقائق” حقا ، كما يمكن أن يقال ، عندما كفت عن أن تكون “ذرية” : عندما كفت عن أن تكون قطع غير قابلة للأنقسام من المادة ، حيث تمتلك تركيب– لاحظ أن هذه الفقرة تتفق كمحصلة مع آراء لينين العظيم الواردة في مؤلفه الخالد (المادية والمذهب التجريبي النقدي) – ملاحظة الصوت الشيوعي

وهكذا يمكن أن يقال أن النظرية الفيزيائية للمادة انها لم تعد مادية ، على الرغم من محافظتها على الكثير من سماتها الأصلية. انها لا تزال تتعامل مع جسيمات (على الرغم من أن هذه الجسيمات لم تعد مقصورة على “قطع من المادة”) ، لكنها اضافت مجالات من القوى ، واشكال متنوعة من الطاقة المشعة. لكنها الآن اصبحتنظرية للمادة ، نظرية تفسر المادة بالأعتماد على فرضيات حول كينونات غير مادية (على الرغم من انها بالتاكيد غير عقلية). لقد صاغ ويلر (1973) هذه النظرية كما يأتي : “فيزياء الجسيمات ليست البداية الصحيحة لفيزياء الجسيمات. بل الفيزياء الفراغية

وبذا فأن المادية سمت على الموجود المادي. وجهة النظر القائلة أن الحيوانات والبشر عبارة عن آلات بالمفهوم الميكانيكي ، وهي وجهة النظر التي استلهمت في الأصل من عنوان كتاب لاميتري الأنسان هو آلة ، استبدلت نتيجة لذلك بوجهة النظر القائلة أن الحيوانات والبشر هم آلات الكتروكيميائية

هذا التغير مهم. لكن لأسباب ذكرت في بداية هذا الفصل ، هذا التحوير الحديث لفكرة كون الأنسان آلة يبدو لي (رغم أن طرحه قد مثل خطوة في الطريق للوصول الى الحقيقة) ، يبدو لي انه لم يعد مقبولا مثله في ذلك مثل النسخة الميكانيكية القديمة للنظرية المادية

كثيرا من الفلاسفة المحدثين الذين يدعمون وجهة النظر هذه (خاصة بلديس ، سمارت ، وآرمسترونغ) يسمون انفسهم “ماديين” وبذلك يعطون مصطلح “مادي” معنى يختلف عن معناه القديم. آخرين الذين يدعمون وجهات نظر مشابهة جدا ، وعلى الأخص وجهة النظر القائلة بأن البشر هم آلات ، يسمون انفسهم “فيزيائيين” ، هذا المصطلح الذي وضعه اصلا ، حسب معرفتي اوتو نيوراث. (ويشاركني في هذه المعرفة ايضا هاربرت فيجل ، الذي يعتبر وجود الوعي البشري واحد من اكثر المشاكل اهمية في الفلسفة

————————

الهامش **) يقصد كارل بوبر هنا ان الضوء رغم كونه ذو خاصية مزدوجة – فهو يسلك سلوك الموجات وفي نفس الوقت سلوك الدقائق – إلا ان الضوء ليس مادة. وقد اشار كارل بوبر في مكانات متعددة في نفس المصدر الذي وردت فيه هذه القطعة الى أن الضوء يسلك سلوكا مزدوجا (موجي ودقائقي) في نفس الوقت. – ملاحظة الصوت الشيوعي

 الهامش رقم 4) هناك ، بالطبع ، حقيقة أن الفيزياء المعاصرة تتعامل مع الأفتراض القائل أن كمية ما موجود من طاقة في نظام مغلق تكون محفوظة وغير قابلة للفناء. لكن هذا لا يعني اننا بحاجة لوجود “جوهر” ‘ في الفيزياء : نظرية بوهر ، كرامرس وسلاتر (1924) تفترض أن الطاقة تنحفض على المستوى الأحصائي فقط. وقد وضع يوهر بعدد عدة سنوات فرضية مشابهة، قبل طرح باولي لنظرية وجود النايترينو ، واقترح شرودنجر (1952) أيضا نظرية مشابهة. هذا يبين أن الفيزيائيين مستعدين لنبذ الصفة الوحيدة للطاقة التي تجعل منها مشابهة ل “جوهر” ، ويبين كذلك انه لا يوجد هناك أسبقية او احقية لهذه الفكرة

 ملاحظة للصوت الشيوعي حول الهامش رقم 4) الجزء الملون باللون الأحمر كافي من الناحية العلمية ولا داعي لما اورده بوبر من كلام بعده. ذلك أن العلم الحديث قد فند لحد هذه اللحظة أي امكانية لأنطباق قانون انحفاض الطاقة بصورة احصائية حيث اثبتت كل الأبحاث الذرية أن هذا القانون ينطبق بصورة تامة. ان انطباق قانون انحفاض الطاقة بصورة تامة لا يظر بنظرية بوبر القائلة أن لا حاجة في الفيزياء لوجود جوهر ذلك أن الطاقة تتحول من شكل الى آخر بصورة مستمرة لذا لا يمكن اعتبارها جوهر رغم ازليتها وعدم القدرة على فنائها او خلقها بسبب من عدم وجود شكل ثابت لها. لكن بوبر هنا يلف ويدور في الجزء الملون باللون الاسود من الهامش حول فكرة كون قانون انحفاض الطاقة ينطبق بصورة احصائية وليس بصورة تامة لأنه يسعى من ذلك لتمرير نظريته في العقل الواعي لذاته حيث أن السبب الرئيسي لرفض العلم لهذه النظرية هو تناقضها مع قانون انحفاض الطاقة في حالة كون هذا القانون ينطبق بصورة تامة – وهذا واقع الحال – لأن هذه النظرية هي نظرية تفاعلية وليس تحولية في فهمها للعلاقة الآنية بين المادة والوعي ، راجع مقالة نظرية العقل الواعي لذاته – لبوبر و أكلس و مقالة مقارنة بين نظرية العقل الواعي لذاته والنظرية الحالية للوعي

———————–

الكلام المكتوب باللون الاسود والخط العريض المائل مع خلفية بيضاء لكارل بوبر

التلوين باللون الاحمر مع او بدون الخط العريض والمائل للصوت الشيوعي وليس لكارل بوبر

تم نسخ وترجمة هذه المخطوطةمن كتاب النفس ودماغها لبوبر وأكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج وكيغن باول ، لندن بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983 ، ص 5 – 8

ملاحظة:لقد تم مراجعة المعلومات الموجودة في المصدرين على ضوء آخر ما توصل اليه العلم من خلال الرجوع الى الانترنيت وسؤال ذوي الاختصاص للتاكد من صلاحيتها وعدم تخلفها وموافقتها للعلم الحديث حتى اللحظة

Advertisements

نُشرت بواسطة

Communist Voice

ماركسي - لينيني - ماوي معادي للتحريفية و الامبريالية. Marxist - leninst - maoist, anti-revisionist & anti-imperialist Revolutionarist