فوائد عكس مفهوم ماركس للبنى الفوقية والبنى التحتية

يا عمال العالم إتحدوا

في هذه المقالة سنسلط الاضواء على فوائد الانجاز النظري الذي حققه الرفيق كيم إيل سونغ بعكس مفهوم ماركس للبنى الفوقية والبنى التحتية واعطائه الاولوية للوعي بوصفه الذات الفاعلة للتاريخ من خلال اعتباره العامل الحاسم في التطور الاجتماعي وتقديم دوره على دور العامل الاقتصادي

لكن قبل ذلك سنستعرض تطور موقف المادية التاريخية من مسألة دور الوعي في التطور الاجتماعي

اولا) مرحلة ماركس وأنجلس

عندما وضع ماركس المادية التاريخية اعتبر أن الموجود الاقتصادي والعوامل الاقتصادية هي الاساس في بناء المجتمع وهي العامل الحاسم في التطور الاجتماعي ، اما الموجود الفكري من وعي الافراد والوعي الاجتماعي بكافة اشكاله: العلم ، الفلسفة ، الفن ، الاخلاق والدين بالاضافة الى النظريات الاجتماعية والمؤسسات السياسية والتشريع فقد اعتبره ماركس بنى فوقية في المجتمع بوصفه انعكاس للموجود الاقتصادي. وقد بنى ماركس مفهومه للبنى الفوقية والبنى التحتية على النظرية المادية السابقة للوعي (والتي كانت سائدة آنذاك) التي ترى إن الوعي ليس سوى انعكاس سلبي (أي وهم او مظهر ثانوي) على اعتبار ان جميع الوظائف العقلية للوعي ليست سوى انعكاس للوظائف الفسلجية للدماغ. وبالاعتماد على هذا المفهوم اعتبر ماركس أن التطور الاقتصادي يجب أن يقع اولا كي يحصل التطور الاجتماعي على اعتبار أن الثاني انعكاس مجرد للاول. فلكي يحدث التغير الاجتماعي من نظام المشاعة البدائية الى النظام العبودي يجب ان تتطور القوى المنتجة قبل ذلك من خلال اختراع ادوات الانتاج المعدنية ولكي يحدث الانتقال من النظام العبودي الى النظام الاقطاعي يجب قبل ذلك اختراع الطاحونة اليدوية وللانتقال من النظام الاقطاعي الى النظام الرأسمالي يجب قبل ذلك اختراع الطاحونة البخارية وللانتقال من النظام الرأسمالي الى النظام الأشتراكي يجب قبل ذلك الانتقال من المانيفاكتورة الى المصنع

لكن رغم ذلك اعترفت المادية التاريخية بامكانية ان تلعب البنى الفوقية (الموجود الفكري) دورا فاعلا في التطور الاجتماعي لكن بوصفها ردود افعال على التغيرات الحاصلة في البنى التحتية أي الموجود الاقتصادي. وقد بين ذلك أنجلس في رسالته الى بلوخ وشميدت في 21 ايلول و 27 تشرين اول لسنة 1890 وكما يأتي

حسب المفهوم الماركسي للتاريخ ، يشكل الانتاج في نهاية التحليل الفترة المحددة للتاريخ. فلا ماركس ولا انا ، ذهبنا الى أبعد من ذلك

فاذا ادعينا بأن الفترة الاقتصادية وحدها هي التي تحدد التاريخ ، نكون قد حولنا هذا المبدأ الى عبارة فارغة من المعنى ، مجردة وعقيمة

ان الوضع الاقتصادي يشكل الاساس ، الا ان الاشكال السياسية ونتائج الصراع الطبقي وما تعكسه في ادمغة الذين ساهموا فيها من نظريات فلسفية وسياسية وحقوقية ومن آراء دينية ، تحمل بدورها تأثيرها على حلبة الصراعات التاريخية. فعن طريق هذا التداخل في التأثير بين جميع هذه الاشكال تفرض الحركة الاقتصادية نفسها كشيء ضروري في خطوطها العامة. فالتأثير السياسي للسلطات العامة على التطور الاقتصادي يمكن ان يأخذ أشكالا ثلاثةيعجل التطور او يقاومه (ولكنه لا بد أن يتلاشى على المدى البعيد) او يحول دون بعض اتجاهاته ، او يملي على هذا التطور بعض الاتجاهات الاخرى

كذلك فقد اكد ماركس في معرض رده على هيغل ان النظرية تصبح قوة مادية حين تعتنقها الجماهير

ثانيا)مرحلة لينين

 لقد اعتبر لينين ان الوعي والنظرية والحزب قبل انتصار الثورة تلعب دورا هاما بوصفها عوامل من عوامل التطور الاجتماعي

قال منير شفيق

وجاء لينين ليحسم الموضوع حسما نهائيا في التشديد على دور النظرية والوعي ودور الحزب وكشف القوانين الخاصة التي تحكم تنفيذ الحتمية الموضوعية التي صاغها ماركس ولأنجلز ، فبين ان هذه الحتمية تتحقق ليس من خلال تطور القوى الانتاجية وتناقضها مع العلاقات الانتاجية فحسب ، وانما تتطلب ايضا نشر الوعي الثوري وتكوين الحزب والمنظمات الجماهيرية واتقان فن (تكنيك) التحريض السياسي والعمل النظري ، واتقان فن (تكنيك) العمل التنظيمي وفن القيادة والعمل الجماهيري ، واقان فن (تكنيك) وضع الاستراتيجية والتكتيك ، وفن تعيين اللحظة المناسبة والعمل تحت كل الظروف ، وبكلمة لقد جاء لينين فأكمل عمل ماركس وانجلز نظريا وعمليا ، ولعل كتاب (ما العمل؟) من اهم اعماله التي طورت النظرية الماركسية ، وخاصة فيما يتعلق بموضوعة العفوية والوعي ودور الحزب. لذا يجب ان ندرس بتدقيق افكار لينين حول العفوية والوعي

منير شفيق ، الماركسية اللينينية ونظرية الحزب الثوري ، الطبعة الاولى ، دار الطليعة ، بيروت ، 1971 ، ص 34-35 / التلوين باللون الأحمر مع الخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي

 قال منير شفيق

لقد بين لينين ان قوانين التطور الموضوعي لا تستطيع ان تحقق شيئا وحدها دون تدخل ارادة البشر. ولكنه بين ايضا ان تدخل ارادة البشر في عملية الانتقال التاريخي من النظام الرأسمالي الى النظام الاشتراكي لا تتحقق الا بوجود منظمة ثورية قائدة من طراز خاص ، وبين ان على هذه المنظمة ان تشكل على طراز معين وتستند الى نظرية معينة وتنتهج خطا استراتيجيا وتكتيكا صحيحا في كل المسائل السياسية والاقتصادية والتنظيمية الخ

نفس المصدر السابق ، ص 92-93 / التلوين باللون الأحمر مع الخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي

ثالثا) مرحلة ستالين

 يعتقد ستالين ان  النظريات الاجتماعية الجديدة والمؤسسات السياسية الجديدة التي تنبثق بعد الثورة تلعب دورا مهم في التطور الاجتماعي كما هو الحال مع الوعي

علم ستالين

ان تطور القوى المنتجة والتغيرات في ميدان علاقات الانتاج ، تجري ، خلال مرحلة معينة ، بصورة عفوية مستقلة عن ارادة الناس. ولكن ذلك لا يدوم الا الى حين ، اي الى ان تصبح القوى المنتجة ، التي برزت واخذت تتطور ، في درجة كافية من النضج. فعندما تبلغ القوى المنتجة الجديدة حد النضج ، تتحول علاقات الانتاج الموجودة والطبقات التي تمثلها ، الى حاجز ((كؤود)) لا يمكن ازاحته من الطريق الا بالنشاط الواعي للطبقات الجديدة ، وبعملها العنيف ، أي بالثورة. ويظهر اذ ذاك ، بشكل رائع ، الدور العظيم الذي تلعبه الافكار الاجتماعية الجديدة ، والمؤسسات السياسية الجديدة والسلطة السياسية الجديدة ، المدعوة الى الغاء علاقات الانتاج القديمة ومحوها بالقوة. فان حاجات المجتمع الاقتصادية الجديدة ، والنزاع بين القوى المنتجة الجديدة وعلاقات الانتاج القديمة ، كل ذلك يولد افكارا اجتماعية جديدة. ان هذه الافكار الجديدة تنظم الجماهير وتعبئها ، فتتحد الجماهير في جيش سياسي جديد ، وتخلق سلطة ثورية جديدة ، تستخدمها لالغاء النظام القديم في ميدان علاقات الانتاج ومحوه بالقوة ، وتشييد نظام جديد فيه

وهكذا يحل نشاط الناس الواعي محل سير التطور العفوي

ستالين ، المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية ، الطبعة العربية ، مكتبة المطبوعات الشعبية ، الطبعة الاولى ، بيروت ، دمشق ، 1945 ، ص 60-61 / التلوين باللون الأحمر مع الخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي

 رابعا) مرحلة ماو تسي تونغ

قال منير شفيق

ان ماو تسي تونغ خرج بقانون يتعلق بالبناء الاشتراكي وهو ضرورة اكمال الثورة في البناء التحتي بثورة في البناء الفوقي. كما انه رأى تحقيق ذلك عن طريق الجماهير والكوادر وليس باجراءات وقرارات تصدر من فوق

منير شفيق ، الماركسية اللينينية ونظرية الحزب الثوري ، الطبعة الاولى ، دار الطليعة ، بيروت ، 1971 ، ص 142

 قال منير شفيق

انطلق ماو تسي تونغ من الموضوعة اللينينية بالنسبة لاهمية التأثير الراجع للبناء الفوقي على البناء التحتي ، وأهمية النضال على الجبهة الايديولوجية ، وطورها في موضوعته حول ضرورة القيام بثورة في البناء الفوقي لاكمال الثورة السياسية والاقتصادية .. وللتوافق مع البناء التحتي الاشتراكي. وقد كشف القوانين الخاصة للثورة في البناء الفوقي تلك القوانين التي عبرت عنها موضاعاته حول الصراع الطبقي الطويل الامد في ظل الاشتراكية وحول الثورة الثقافية

نفس المصدر السابق ، ص 186 / التلوين باللون الأحمر من الصوت الشيوعي

*******************

من العرض اعلاه يظهر جليا واضحا ان المادية التأريخية الكلاسيكية لم تنكر وجود دور فاعل للموجود الفكري (البنى الفوقية) في التطور الاجتماعي لكنها قصرت ذلك على كون هذا الدور مجرد ردود افعال للوعي على التغيرات التي تحصل في الموجود الاقتصادي للمجتمع أي البنى التحتية ، فالتطور الاقتصادي يجب ان يقع قبل حصول التغير الاجتماعي

ويمكن تلخيص فهم المادية التأريخية الكلاسيكية لدور الوعي والبنى الفوقية في التطور الاجتماعي وعلاقتهما بالبنى التحتية كما يأتي

اقتصاد —————> دماغ ———–> وعي —–؟؟——> اقتصاد

الموجود الاقتصادي يؤثر على الدماغ من خلال الحواس فيحدد التكوين العقلي على اعتبار ان الوعي هو انعكاس للفعالية الفسلجية للدماغ. بعد ذلك يعود الوعي ليؤثر على الموجود الاقتصادي

ان الشيء الذي يلفت النظر في هذا المفهوم هو

اولا) لم يبين هذا المفهوم كيف يعود الوعي ليعمل على الموجود الاقتصادي فيؤثر به : هل يقوم الوعي بذلك من خلال الدماغ او مباشرة

ثانيا) ان اعتراف المادية التأريخية بدور فاعل للوعي والبنى الفوقية في التطور الاجتماعي يتناقض مع مفهوم المادية الديالكتيكية للعلاقة بين المادة والوعي والذي يرى أن الوعي والعقل ككل ليس إلا ظاهرة سلبية (مجرد وهم) كونه ليس سوى انعكاس سلبي للفعالية الفسلجية للدماغ. فعلى الرغم من رفض المادية الديالكتيكية لاعتبار الوعي والمادة (الدماغ) شيء واحد من خلال اقرارها بلا مادية الوعي ، إلا انها تلوذ بمبدأ تطابق الوظائف العقلية مع الوظائف الفسلجية للدماغ فهي ترى ان كل العمليات العقلية ليست سوى انعكاس للفعالية الفسلجية للمخ

ثالثا) من النقطة (ثانيا) في اعلاه يتبين بكل تأكيد ان لم يقصد ماركس او أنجلس او لينين او ستالين او ماو ان الوعي يعود ليلعب دورا فاعلا على الدماغ

رابعا) رغم اعتراف هذا المفهوم بوجود دور فاعل للوعي والبنى الفوقية في التطور الاجتماعي إلا انه جعل هذا الدور ذو مرتبة ثانية بالمقارنة مع دور العامل الاقتصادي واشترط حصول التطور الاقتصادي كشرط مسبق لا بد منه لحصول التغير الاجتماعي. ولا ابلغ على ذلك من النص الآتي لستالين

قال ستالين

فاذن : يجب ان لا نبحث عن المفتاح الذي سيمح لنا بالكشف عن قوانين تاريخ المجتمع ، في ادمغة الناس ، او في آراء المجتمع وافكاره ، بل يجب ان نبحث عنه في اسلوب الانتاج الذي يمارسه المجتمع خلال كل دور من ادوار التاريخ ، اي في الحياة الاقتصادية للمجتمع

 ستالين ، المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية ، الطبعة العربية ، مكتبة المطبوعات الشعبية ، الطبعة الاولى ، بيروت ، دمشق ، 1945 ، ص 44 / التلوين باللون الأحمر مع الخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي

نأتي الآن الى نقد هذا المفهوم وفوائد عكسه على طريقة كيم إيل سونغ

اولا) ان هذا المفهوم متخلف عن العلم الحديث ولا يتفق مع النظرية المادية الحديثة (الحالية) للوعي التي تقر بوجود دور فعال للوعي على الدماغ الذي انتجه ولا مع الأكتشاف الجبار الذي حققه كل من العلامة ليبيت و هاغارت في حل لغز الارادة الحرة وميكانيكية حصولها عند الانسان

ثانيا) ان هذا المفهوم للبنى الفوقية والبنى التحتية لا يوضح ميكانيكية التطور الاجتماعي في البلدان المتخلفة الذي يحصل بغياب القاعدة الاقتصادية (البنى التحتية) ، فالمادية التأريخية تقف عاجزة عن تفسير انتصار الاشتراكية في بلدان متخلفة زراعية غير صناعية يسود فيها النظام الاقطاعي او شبه الاقطاعي مثل الصين وكوبا وكوريا وفيتنام ولاووس وغيرها من الامم المتخلفة في العالم الثالث التي انجزت شعوبها الثورة الاشتراكية بغياب القاعدة الاقتصادية (البنى التحتية) اللازمة لذلك. ففي هذه الدول حصل التطور الاجتماعي بغياب التطور الاقتصادي. فالصين مثلا كانت في عهد جان كاي تشيك مجتمع شبه اقطاعي ولم تصبح مجتمعا رأسماليا قبل ان تصبح بلدا اشتراكيا بل قفز شعبها من النظام الاقطاعي الى النظام الأشتراكي دون المرور بالمرحلة الرأسمالية وقد حصل ذلك من دون تحول المانيفاكتورات الى مصانع بصورة واسعة. هل ان محرك التطور في دول العالم الثالث هو التصنيع الذي اضطرت الدول الامبريالية لادخاله اليها كما ادعى المنظرون السوفييت ودعات المادية التاريخية الكلاسيكية؟ نعم لقد ادخلت الامبريالية بعض المصانع الى دول العالم الثالث مدفوعة بمصالحها هي وليس من اجل مصلحة شعوب هذه البلدان. لكن هذا التصنيع وهذه المصانع التي ادخلتها الامبريالية الى هذه الشعوب قليلة بحيث انها لم تحدث تغيرا في النظام الاجتماعي السائد في هذه المجتمعات من الاقطاعية الى الرأسمالية. فعلى الرغم من ظهور طبقة من الرأسماليين الكبار وطبقة عاملة بسبب هذا التصنيع الى انهما بقيا هامشيان في المجتمع فلم تشكل لا الطبقة العاملة الفتية ولا البرجوازية الصناعية الفتية طبقة رئيسية بل ظلت طبقة كبار الملاك والاقطاعيين هي الطبقة الحاكمة وبقي التناقض بينها وبين الفلاحين هو التناقض الرئيسي في المجتمع فبقي النظام الاجتماعي اقطاعيا او شبه اقطاعيا رغم دخول عناصر رأسمالية اليه. أي بعبارة اخرى لم تكن القوى المنتجة (ادوات الانتاج) قد تطورت الى المستوى اللازم لحصول التغير الاجتماعي من النظام الاقطاعي الى النظام الرأسمالي لكن برغم ذلك استطاعت هذه الشعوب القفز من النظام الاقطاعي الى النظام الأشتراكي عبر مرحلة وجيزة من الثورة الديمقراطية (التي قادها الحزب الشيوعي نفسه) وانتصرت الثورة وخلقت المؤسسات السياسية والهيئات الحكومية والتشريعات الثورية الجديدة قبل خلق (أي بغياب) القاعدة الاقتصادية اللازمة لبناء الرأسمالية فما بالك ببناء الاشتراكية!! بعد انتصار الثورة وانبثاق المؤسسات والهيئات الحكومية والتشريعات الثورية الجديدة بوشر ببناء القاعدة الاقتصادية في هذه المجتمعات من خلال استيراد التصنيع من الخارج على نطاق واسع. ولم تلعب الطبقة العاملة القليلة العدد في هذه المجتمعات دورا حاسما في الثورة بل كان الفلاحون من لعب هذا الدور : فهم من قلب النظام الاقطاعي او شبه الاقطاعي وهم من انجز التحرر الوطني والاجتماعي فالفلاحون هم من ثاروا ضد الاستعمار وهم من ثاروا على الاقطاعية وهم من اسقطوهما وعلى كاهل الفلاحين بنيت الاشتراكية ، وكل ما كتب عن الدور القيادي للعمال في ذلك وانهم طليعة النضال وان الفلاحين يناضلون تحت قيادتهم كان من باب التورية التي وجد القادة الثوريون من ماو تسي تونغ وكيم إيل سونغ وهوشي منه انفسهم مظطرين اليها ارضاءا للجمود العقائدي لستالين وقادة الكرملن في موسكو راجع مقالة حول موقع الفلاحين الحقيقي في النهج الماوي

 لكن بالمقابل اذا استبدلنا مفهوم ماركس للبنى الفوقية والبنى التحتية بمفهوم كيم إيل سونغ من خلال عكس مفهوم ماركس وذلك باعتبار ان الوعي والمكونات الفكرية في المجتمع هي البنى التحتية في حين تشكل المكونات الاقتصادية البنى الفوقية أي من خلال اعطائنا الاولوية للوعي والعامل الفكري وتقديمنا له على العامل الاقتصادي (والذي هو في حقيقة الامر عامل واقعي وليس مادي كما يعتقد ماركس وسنتطرق الى ذلك في مقالة منفصلة) عندئذ سوف لا نعاني صعوبة في تفسير تطور دول العالم الثالث الذي يحدث بغياب القاعدة الاقتصادية. ففي هذه الحالة يكون الوعي هو الذات الفاعلة للتأريخ وارادة الانسان لها الاسبقية في تقرير مصيره على العامل الاقتصادي وبالتالي يمكن تفسير كيف انتصرت الاشتراكية في البلدان المتخلفة شبه الاقطاعية ، فالانسان (باستعمال عقله الواعي) يستطيع أن يخلق القاعدة الاقتصادية بنفسه بدلا من أن يجلس في انتظار تحققها الى اجل غير مسمى …. ولا يشكل ذلك ارتدادا الى المفهوم المثالي للتاريخ كما يضن خطأ الكثيرين بل مجرد وضع للشيء في موضعه الصحيح بما يتفق مع العلم الحديث ومن غير انكار للدور المهم الذي يلعبه العامل الاقتصادي (الواقعي) في التطور الاجتماعي لكن من دون تظخيم هذا الدور كما فعل ماركس. منت الذي ينتج الآلة؟ اليس العقل الواعي بالاعتماد على نفسه اساسا قبل اعتماده على الدماغ كما اثبت ذلك العلوم الحديثة؟ راجع مقالة ميكانيكية الخيال المبدع عند الانسان وعكس مفهوم ماركس للبنى الفوقية والبنى التحتية. وفوق ذلك يتعزز دور العقل الواعي والعامل الفكري كلما زاد التقدم التكنولوجي من خلال ازدياد اهمية دور علم الرياضيات وهو اكثر العلوم تجريدا في عملية الانتاج بدخول الاجهزة الالكترونية والكومبيوترات الى العملية الانتاجية. ويمكن توضيح ذلك كما يأتي

دماغ —-> وعي —-> الدماغ —->ادوات انتاج أي اقتصاد —-> دماغ —-> وعي

الدماغ يولد العقل الواعي فيعود هذا الاخير ليعمل على الدماغ بعد انجاز عملية الخيال المبدع خالقا ادوات الانتاج ومن خلالها الموجود الاقتصادي (الواقعي). يعود الموجود الاقتصادي (الواقعي) ليؤثر على الدماغ من خلال الحواس فيؤدي ذلك الى تغير في الوعي

ثالثا) ومما يجدر التنويه عنه هنا أن هناك البعض (من التروتسكيين والارثذوكسيين واخص هنا بالذكر الارثذوكسي منصور حكمت) يحاول التخلص من هذه الصعوبة الكأداء التي تعاني منها المادية التاريخية الكلاسيكية من خلال انكاره للصفة الاشتراكية عن ثورات العالم الثالث كالثورة الصينية والثورة الكوبية واعتبارها مجرد ثورات قومية ليس إلا. ان ردنا على هذه سخافات هؤلاء يتمثل بكل بساطة في السؤال الآتي

لماذا وقعت ثورة اكتوبر (التي يعترف منصور حكمت ومن لف لفه بانها ثورة عمالية واشتراكية) لماذا وقعت هذه الثورة العملاقة في روسيا المتخلفة تكنلوجيا وليس في بريطانيا او امريكا كما كان ماركس يتوقع؟ لقد حدثت ثورة اكتوبر وتطور المجتمع الروسي بغياب العامل القاعدة الاقتصادية (التي تتطلبها نظرية ماركس) ، فالمجتمع الروسي بشهادة لينين نفسه مجتمع شبه اقطاعي والبروليتاريا الروسية لا تشكل اغلبية السكان بل مجرد اقلية لكن بحجم مناسب يعتد به وهذه البروليتاريا الصناعية التي اشعلت الثورة ما كان لها ان تنتصر في الحرب الاهلية ضد التدخل الامبريالي لولا تاييد الفلاحين الروس؟!! هنا يقف منصور حكمت ومعه كل الارثذوكسيين والتروتسكيين والماركسيين اللينينيين الكلاسيكيين من ستالينيين وماويين صينيين وغيفاريين عاجزين عن الاجابة. فقد بعكس مفهوم ماركس للبنى التحتية والبنى الفوقية كما فعل الرفيق كيم إيل سونغ نستطيع الرد على هذا السؤال. من هنا تتأتى اهمية الانجاز النظري الجبار الذي حققه كيم إيل سونغ في عكس مفهوم ماركس للبنى الفوقية والبنى التحتية : انه يفعل علم الاجتماع الماركسي ويجعله قادرا على الرد بصورة فائقة بدل ان يقف عاجزا عن اعطاء اجوبة مقنعة عن محركات التطور الاجتماعي في اكثر من مناسبة

رابعا) تجريد فكرة زينوفييف عن عدم امكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد متخلف بسبب من تخلف القوى المنتجة عن مستوى مثيلاتها في الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة ، تجريد هذه الفكرة من أي ارضية نظرية تستند اليها. ذلك أن الانسان حسب مفهوم كيم إيل سونغ قادر من خلال استخدام عقله الواعي على خلق القاعدة الاقتصادية الضرورية لاقامة الاشتراكية وهذا بالضبط ما حققه ستالين

خامسا) من النقطة (ثالثا) و (رابعا) في اعلاه يؤدي مفهوم كيم إيل سونغ الى هدم جزء كبير جدا من الطروحات الهدامة للحركة التروتسكية

سادسا) غلق الطريق امام النظريات والافكار الخاطيئة او التحريفية المبنية على اساس عدم امكانية انجاز الثورة الاشتراكية في الدول المتخلفة بسبب من غياب القاعدة الاقتصادية في هذه الدول ووجوب المرور بالمرحلة الرأسمالية تحت قيادة البرجوازية كشرط لا بد منه لبلوغ هذه القاعدة الاقتصادية قبل الوصول الى الاشتراكية ، هذه الافكار التي ادت الى توجيه الشيوعيين في دول العالم الثالث ودفعهم للتحالف مع فئأت من البرجوازية عادت هذه التحالفات على الشيوعيين والجماهير الكادحة في هذه الامم بالويلات والدمار. وكمثال على ذلك نورد حادثتين

 اولا (مثال على نظرية خاطيئة) – ما قام به ستالين من توجيه خاطىء للشيوعيين الصينيين واجبارهم على التحالف مع الكيومنتانغ في العشرينات من القرن الماضي مما ادى الى انهيار الثورة الصينية ووقوع مذبحة كبيرة للشيوعيين الصينيين في سنة 1982

  ثانيا (مثال على نظرية تحريفية) – ما قام به خالد بكداش من الوقوف مع عفلق وحزبه الفاشي ضد الثورة الاشتراكية في العراق عندما اجتاح المد الثوري العراق في سنة 1959 حيث عارض بتوجيه من اسياده الروس واستاذه خروشوف مساعي الشيوعيين العراقيين آنذاك للاطاحة بالدكتاتور الرأسمالي عبد الكريم قاسم واقامة النظام الاشتراكي في العراق بدعوى عدم امكانية تحقق الثورة الاشتراكية في بلد متخلف كالعراق بسبب من غياب القاعدة الاقتصادية ووجوب المرور بمرحلة من الثورة البرجوازية الوطنية تحت قيادة البرجوازية الوطنية نفسها وليس تحت قيادة الحزب الشيوعي!!. فوقف بوجه سلام عادل رئيس الحزب الشيوعي العراقي عندما سحل الشيوعيون العراقييون البعثيين والقوميين آنذاك ووجهه بعدم معادات البعثيين والقوميين العراقيين كونهم يمثلون البرجوازية الوطنية وبالتالي هم من يجب ان يقود الثورة ويعمل على تصنيع العراق. وللاسف الشديد خضع الشيوعييون العراقيون لهذه النداءات مما ادى ذلك الى نتائج كارثية من صعود الفاشية البعثية وضياع كل من سوريا والعراق من الشيوعيين وتصفية الحزب الشيوعي العراقي في انقلاب 8 شباط الاسود وتدمير الحزب الشيوعي السوري العظيم من خلال تسليمه للبعث السوري في سمي بالجبهة الوطنية التقدمية السورية سنة 1970 ، وبذلك يكون خالد بكداش قد سلم الحزب الشيوعي في العراق وسوريا الى الاعداء الطبقيين كما فعل من قبل مع الشهيد فرج الله الحلو ومن يخون مرة يخون ثانية وثالثة ورابعة ومن يغدر برفيق واحد في  حزبه يغدر بحزبه كاملا في النهاية

فبموجب مفهوم كيم إيل سونغ يستطيع الانسان من خلال عقله الواعي أن يخلق القاعدة الاقتصادية بدلا من أن يجلس في انتظار تحققها مستقبلا

سابعا) اعطاء ارضية قوية وصلبة لنظرية ستالين النهائية في الثورة الأشتراكية والتي ترى أن الثورة الأشتراكية يمكن انجازها في أي مكان من العالم

ثامنا) يؤدي مفهوم كيم إيل سونغ الى طرح اعطاء الاولوية للعمل الفكري وتقديمه على البناء الاقتصادي (من دون اهمال الاخير) وطرح مفهوم الثورة الفكرية (والتي هي غير ثورة ماو الثقافية) كخط عام لا بد من اتباعه لانجاح البناء الاشتراكي ، واعتبار ان اهمال العمل الفكري والتركيز على البناء الاقتصادي هو من اهم اسباب انهيار الاشتراكية في الاتحاد السوفيياتي السابق ودول اوربا الشرقية والسبب الرئيسي الاول لانهيار الاشتراكية في الصين

بالنسبة للنقطة الاخيرة (ثامنا) حول مفهوم الثورة الفكرية : ما هي الثورة الفكرية التي ينادي بها كيم إيل سونغ؟ وبماذا تختلف عن الثورة الثقافية لماو تسي تونغ وحول نظرية حزب العمل الكوري في كون السبب الرئيسي لانهيار الاشتراكية في وفشل التجربة الماوية في الصين سنتطرق الى ذلك في مقالات اخرى

الصوت الشيوعي

Advertisements

نُشرت بواسطة

Communist Voice

ماركسي - لينيني - ماوي معادي للتحريفية و الامبريالية. Marxist - leninst - maoist, anti-revisionist & anti-imperialist Revolutionarist