ملاحظات في الديالكتيك

التلوين باللون الأحمر مع الخط العريض المائل في هذه المقالة من الصوت الشيوعي

في هذه المقالة سنتناول بشيء من التفصيل قوانين الديالكتيك المادي للمادية الديالكتيكية ، مستعرضين أصل هذه القوانين ومراحل تطويرها ونقاط الضعف فيها عند كل مرحلة. كذلك سنحاول أن نضيف اليها اما بالاعتماد على ما انجره الفلاسفة الماديين الديالكتيكيين غير الماركسيين او من خلال طرح افكار من عندنا بغية تطوير هذه القوانين محاولين من ذلك التغلب على نقاط الضعف فيها

اصل قوانين الديالكتيك المادي للمادية الديالكتيكية

يضن الكثير من الناس أن هذه القوانين من وضع ماركس ان ذلك غير صحيح فهي من وضع هيغل. اما ماركس فقد اخذ هذه القوانين عن هيغل (المثالي) واستعملها لفلسفته المادية. ان فهم ذلك شيء مهم للغاية حتى يتسنى فهم بعض الاخطاء الاساسية في هذه القوانين ولا سيمى قانون نفي النفي كما سنرى

وقد مرت هذه القوانين بثلاثة مراحل للتطور هي

مرحلة ماركس وأنجلس ولينين حيث كانت عبارة عن ثلاثة قوانين هي

قانون نفي النفي

قانون وحدة وصراع الاضداد او تفسير المتناقضات

قانون الانتقال من التبدلات الكمية الى التبدلات الكيفية والعكس

مرحلة ستالين

في هذه المرحلة اصبحت قوانين الديالكتيك المادي اربعة كما يأتي

قانون الألتحام العام بين الظواهر

قانون الحركة والتطور نحو الأمام في الطبيعة والمجتمع

قانون صراع المتناقضات

قانون الأنتقال من التبدلات الكمية الى التبدلات الكيفية

 فتم تحويل حقيقة ترابط الأحداث والتأثير المتبادل بينها والذي تعترف به الفلسفة الماركسية الى قانون كوني عام بما يتفق مع وجهة نظر العلم الحديث. والغي قانون نفي النفي واستعيض عنه بقانون الحركة والتطور نحو الامام في الطبيعة والمجتمع ، وعدل قانون الانتقال من التبدلات الكمية الى التبدلات الكيفية والعكس ليصبح باتجاه واحد : من التبدل في الكم الى التبدل في الكيف فقط دون العكس. اما قانون وحدة وصراع المتناقضات فقد تم تحويره الى قانون صراع المتناقضات فحسب وانكرت وحدتها

مرحلة ماو تسي تونغ

وفيها تم تحقيق انجازان: الأول بدأ في عهد ستالين وتواصل في مرحلة ما بعد ستالين وهو الأضافة الى مفهوم التناقض ، والثاني بعد مرحلة ستالين ويتمثل بأضافة قانون خامس هو قانون الأنتقال من التبدلات الكمية الى التبدلات النوعية والذي تم التوصل اليه خلال وضع نظرية الثورة الدائمة الماوية اعتمادا على أضافة ماو السابقة لمفهوم وحدة وصراع الأضداد

وكمحصلة اصبح هناك خمسة قوانين للديالكتيك المادي ابدعها الماركسييون قي

قانون الألتحام العام بين الظواهر

قانون الحركة والتطور نحو الامام في الطبيعة والمجتمع

قانون وحدة وصراع الاضداد او تفسير المتناقضات

قانون الانتقال من التبدلات الكمية الى التبدلات الكيفية

قانون الانتقال من التبدلات الكمية الى التبدلات النوعية

 *******************

بالنسبة لقانون الالتحام العام بين الظواهر الذي وضعه ستالين فهو قانون في منتها الصحة والدقة العلمية ويقبله العلم الحديث. لكن للأسف الشديد تعرض هذا القانون للنقد والطعن غير الصائب ليس فقط من قبل اصحاب الجمود العقائدي بل ايضا من قبل ماو تسي تونغ نفسه ، فقد ورد في تقيمات ماو لستالين وهي الدراسة التي قامت بها منظمة الشرارة الوحيدة (الماوية المتحررة) في الولايات المتحدة الامريكية النص الآتي لماو تسي تونغ

لستالين الكثير من (الأفكار) الميتافيزيكية ، وقد علم الكثير من الناس أن ينشغلوا في الميتافيزيكس. ففي مؤلفه موجز تأريخ الحزب الشيوعي للأتحاد السوفيياتي (البلشفي) ، فقد قال أن الديالكتيك الماركسي له اربعة صفات مميزة أساسية. واول هذه الخصائص التي تحدث عنها كان العلاقة بين الأشياء (أي قانون الألتحام العام بين الظواهر ملاحظة الصوت الشيوعي) ، كما لو أن كل الأشياء ترتبط ببعضها من دون سبب. كيف ترتبط الأشياء ببعضها ، في واقع الأمر؟ ان العلاقة في حقيقة الأمر تكون بين وجهان لتناقض ما

Speech at the Conference of Provincial, Municipal, and Autonomous Region Party Secretaries (Jan. 27, 1957), version I, WMZ2,  The Writings of Mao Zedong 1949-1976, Vol. II, January 1956-December 1957, ed. by John K. Leung & Michael Y. M. Kau, (Armonk, NY: M. E. Sharpe, 1992),pp. 253-5. Mao’s Evaluations of Stalin / A Collection & summary , sep. 6 , 2006 , part 1:internet

 والآن لنرى ماذا يقول العلم الحديث حول ذلك

العلاقة السببية التقليدية يمكن أن تنطبق على الأنظمة المنفصلة وهكذا تبقى محفوضة في بعض الحالات النفسية ، لكنها قد لا تنطبق عندما يرى سلوك الأنسان في سياق واسع للكون. بالتأكيد أن انتقال الأفكار والخيالات عبر فضائآت شاسعة لا يمكن أن يفسر على ضوء علاقة واحد لواحد ، الضيقة. بصورة موسعة يمكن القول ، أي هياج موضعي يهز كل الكون. التأثيرات البعيدة تكون طفيفة ، لكنها موجودة …. لا توجد هناك امكانية لدليل منفصل ومكتف بذاتهوايتهيد ، 1934 ، ص 181

Benjamin B. Wolman: Hand book of parapsychology , Van Nostrand Reinhold Company , New York , p. 877

واضح جدا أن الرفيق ماو تسي تونغ قد اخطأ في تقيمه لقانون الألتحام العام بين الظواهر

—————–

 اما بالنسبة لقانون نفي النفي فهو قانون خاطيء ولا صحة له وقد اسقطه ستالين من المادية الديالكتيكية واستعاض عنه بقانون الحركة والتطور نحو الامام في الطبيعة والمجتمع وكان هذا من فضائل ستالين وقد تطرقنا الى ذلك في مقالة دحض قانون نفي النفي

—————–

اما بالنسبة لقانون الحركة نحو الامام في الطبيعة والمجتمع الذي وضعه ستالين فعلى الرغم من كونه صحيح من حيث المبدأ ويؤيده العلم الحديث ويشكل بديلا علميا عن قانون نفي النفي الخاطيء منطقيا إلا انه يعاني من نقص. ان النقص في هذا القانون يتمثل في انه يرى الحركة والتحول باتجاه واحد فقط لا غير: نحو الأمام فحسب ، في حين أن واقع الحال ليس كذلك. فالحركة والتحول تتخذ شكل تفاعل انعكاسي يمكن أن يحصل بأي أتجاه : نحو الأمام او نحو الخلف. الأتجاه العام للحركة والتطور نحو الامام هذا لا شك فيه لكن هذا لا يمنع امكانية حصول ردات الى الخلف. فالمادة الغير الحية تحولت الى مادة حية لكن المادة الحية تعود بدورها لتحول الى مادة غير حية. الحياة تتطور الى الامام بنشوء انواع راقية جديدة من انواع اوطأ لكن ظاهرت الموت والعودة الى مادة غير حية تستمر في الحصول لدى الانواع الراقية الجديدة ، راجع مقالة النظرية المادية الحديثة (الحالية) للوعي – نظرية التحول الاحادي

فهذا القانون بالصيغة التي وضعه بها ستالين صيغة الأتجاه الواحد فقط نحو الأمام يعجز عن أن يفسر انهيار الأشتراكية وعودة الرأسمالية بسقوط الأتحاد السوفيياتي والمعسكر الأشتراكي السابقين ، وهو تحول نحو الخلف

—————–

اما بالنسبة لقانون التناقضات فقد شوهه ستالين في مؤلفه المادية الديالكتيكية والمادية التأريخيةذلك أنه انكر وحدة الأضداد فقد حول قانون التناقض من قانون وحدة وصراع الأضداد كما كان في عهد ماركس وأنجلس ولينين الى قانون صراع الأضداد فحسب من دون الأقرار بوحدة التناقض في كل شيء. وفي هذا الصدد من المناسب الأستشهاد بتكملة الفقرة السابقة من كلام الرفيق ماو تسي تونغ نفسها ، حيث قال ماو

لكل شيء وجهان متناقضان. (الخاصية) الرابعة التي تحدث عنها ستالين كانت التناقض الداخلي للأشياء. مرة اخرى ، تكلم فقط عن الصراع بين التناقضات ، وليس حول وحدة التناقضات. بموجب هذه الوحدة للتناقضات هذا القانون الأساسي للديالكتيك تتصارع التناقضات مع بعضها ، وفي نفس الوقت تكون متحدة ؛ فهي متعارضة بصورة متبادلة ومترابطة ايضا ، وتحت شروط معينة يتحول احدها الى الآخر

الدخول على وحدة الهويةفي الطبعة الرابعة من قاموس مصغر للفلسفة المجموع في الأتحاد السوفيياتي يعكس وجهة نظر ستالين. يقول القاموس ، الظواهر مثل الحرب والسلام ، البرجوازية والبروليتاريا ، الحياة والموت غير متماثلة لأنها تتعارض أساسا وبصورة متبادلة مع بعضها“. هذا يعني بعبارة اخرى أن هذه الظواهر التي هي في تضاد أساسي مع بعضها ليس لها وحدة هوية (بالمعنى) الماركسي ، فهي متعارضة بصورة متبادلة أكثر من أن كونها مترابطة ، ولا تستطيع أن تتحول بعضها لبعض تحت ضروف (ضرورية). ان هذا التفسير خاطيء من حيث الأساس

ومن ثم توسع ماو في هذه النقطة في عدة فقرات وقال

لم يتمكن ستالين من الربط بين الصراع والوحدة للتناقضات. ان تفكير بعض الناس في الأتحاد السوفيياتي ميتافيزيكي ومتحجر بهذا الشكل ، بحيث انهم يرون الأشياء (بصورة اعتباطية) اما في هذا الأتجاه او ذاك. ولا يعرفون وحدة المتناقضات. ولذلك ، يرتكبون أخطاء في السياسة. نحن نؤيد وجهة النظر القائلة بوحدة التناقضات ونتبنى سياسة دع مئة زهرة تتفتح ومئة مدرسة تتبارى. في نفس الوقت الذي تتفتح فيه هذه الأزهار ، ستزهر بصورة حتمية اعشاب ضارة أيضا. هذا لا يدعو للخوف ، وتحت ضروف معينة ، قد يكون ذلك مفيد

نفس المصدر السابق

 وقال ماو تسي تونغ ايضا

فما هو الصراع اذن؟ وما هي العلاقة بين الوحدة والصراع؟

لقد قال لينين: ((ان اتحاد (تطابق ، وحدة ، تواحد) الضدين مشروط ، موقت ، عارض ، نسبي. أما صراع الضدين المتعارضين فهو مطلق ، تماما كما أن التطور والحركة مطلقان.)) = لينين : (( في مسائل الديالكتيك )) – هامش

في التناقض ، مؤلفات ماو تسي تونغ المختارة ، المجلد الاول ، الطبعة العربية ، ص 495 ، دار النشر باللغات الأجنبية ، بكين ، 1968

لقد عبر ماو تسي تونغ في النصوص اعلاه عن وجهة نظر ماركس وأنجلس ولينين في التناقض والتي هي وجهة نظر صحيحة. لقد اخطأ ستالين في تحليله وآرائه حول قانون التناقض خطأ فاحشا عندما أنكر وحدتها وامكانية تحولها احدها الى نظيره وقد قاده ذلك الى انكار وجود متناقضات من النوع الذي يحل من دون سحق احد المتناقضين لنظيره. وقد ادى ذلك به الى فهم العلاقة بين المتناقضات على انها مجرد علاقة صراع تناحري بهدف سحق الآخر. وقد ادى ذلك به الى استعمال الاساليب العنيفة في التعامل مع أي تناقض يظهر في طريقه وقد ادى ذلك الى نتائج مريعة لا تخفى على احد

اما بالنسبة الى انجاز ماو تسي تونغ في تطوير قانون وحدة وصراع المتناقضات فسنخصص له مقالة خاصه لكن بأيجاز يمكن تلخيصه بما يأتي

اولا) توسيع ماو تسي تونغ لشمولية المتناقضات المعترف بها في جدل العالم الطبيعي الى مضمار المجتمع الأشتراكي والشيوعي ايضا

ثانيا) التوحيد في الهوية بين التناقضات او بالاحرى الى الاعتراف بالواحد عن طريق الاخر

ثالثا) تقسيم التناقضات الى نوعين من حيث طبيعتها : تناقضات تناحرية وتناقضات غير تناحرية

رابعا) تقسيم التناقضات الى : تناقضات رئيسية وتناقضات ثانوية

خامسا) طرح فكرة أن كل تناقض سواء كان رئيسي ام ثانوي يشتمل في ذاته على مظاهر رئيسية وثانوية ، وفكرة أن المظهر الرئيسي والمظهر الثانوي للتناقض يحل كل منهما محل الآخر وما ينتج عن ذلك من تغير طابع الظاهرات

 لكن على الرغم ما انجزه ماو تسي تونغ في تطوير قانون وحدة وصراع المتناقضات وما اضافه ماو لمفهوم التناقض فقد ظل هذا القانون الرئيسي في الفلسفة الماركسية يعاني من نقص اساسي إلا وهو : مصدر التناقضات (أي سببها) ، فالمادية الديالكتيكية الكلاسيكية لا تخبرنا من أين تنشأ (أي ما هو سبب)هذه التناقضات وما هو الباعث (المسبب) على تصاعدها واحتدام الصراع فيما بينها. فما هو مصدر التناقضات؟ وما هو سبب تصاعد الصراع فيما بينها؟ لقد تولى الفلاسفة الماديين الديالكتيكيين غير الماركسيين الأجابة على هذا السؤال : ان مصدر نشوء التناقضات وتصاعدها وتزايد الصراع فيما بينها هو السلوك الحر للفوتون أي الصفة الكون الأساسية في اللاسببية أي أن نقطة ضعف قانون وحدة وصراع المتناقضات تكمن في المفهوم الخاطيء للسببية والحتمية والحرية الذي تلوذ به الفلسفة الماركسية الكلاسيكية ، راجع مقالة دحض المفهوم الماركسي الكلاسيكي للسببية والحتمية والحرية . فالسلوك الحر للكم يؤدي الى نشوء اشياء او ظواهر او عمليات تختلف في طبيعة خواصها بصورة متقابلة فتتكون بذلك الاضداد . فالاضداد هي الاشياء او الظواهر او العمليات التي تختلف في طبيعة خواصها بصورة متقابلة . ان الاختلاف في طبيعة وخواص الاشياء او الظواهر او العمليات هو الذي يؤدي الى تكون الاضداد ، اما التقابل في في هذا الاختلاف فهو الذي يولد التناقض بين الضدين المتقابلين . فالتناقض هو العلاقة بين الاضداد . اما الاضداد فهي جوانب التناقض . واعتمادا على درجة الاختلاف في طبيعة وخواص الاضداد المتقابلة يتحدد كون التناقض تناحري او غير تناحري

وما دمنا بصدد قانون التناقضات ، وقبل أن ننتقل لمناقشة قانون الأنتقال من التبدل الكمي الى التبدل الكيفي من المناسب أن نعلق على الخطأ في مثال الجسم المتحرك الذي استشهد به أنجلس لشرح قانون التناقض في مؤلفه الشهير الأنتي دوهرنغ. يقول أنجلس

وان الحركة نفسها هي تناقض: ذلك أن تغيير المكان الميكانيكي البسيط لايمكن هو نفسه ان يتحقق إلا لأن الجسم الواحد هو في موضع واحد وفي موضع آخر في نفس البرهة من الزمان ، لأنه في نفس الموضع الواحد من دون ان يكون فيه أيضا. وإن النشوء المتواصل لهذا التناقض وحله المواقت هما بالضبط ماهية الحركة

فريدريك أنجلس، انتي دوهرنغ، الطبعة العربية، ترجمة فؤاد أيوب، الطبعة الاولى ، 1965 ، ص 144-145

ان الخطأ في هذا المثال ليس الجسم المتحرك بحد ذاته ، ذلك أن الجسم المتحرك يتحرك فعلا بسبب من صراع بين تناقض داخلي فيه وهو التناقض بين صفة الأستمرارية للجسم المادي التي تعمل على ابقائه على حالته كما هي من حركة او سكون من جهة وما يكتسبه من زخم حركي يعمل على تغير حالته الحركية هذه بفعل تاثيرات من الخارج من جهة اخرى. هذا هو التناقض الداخلي الذي يؤدي بالجسم للحركة. لكن الخطأ يكمن في عبارة أنجلس المؤشرة باللون الأحمر في النص أعلاه : في نفس البرهة من الزمن. ان الجسم المادي يكون موجود في موضع واحد في برهة من الزمن وفي موضع آخر في برهة اخرى من الزمن وليس في نفس البرهة من الزمن لأنه لو كان يوجد ولا يوجد في نفس البرهة من الزمن لما كان جسما ماديا من الأصل بل سيكون عندئذن نقطة تخيلة في المستوي او المستقيم من دون أن يمتلك بعد في المكان كما هو الحال مع النقاط التخيلية التي لا نهاية لها التي تتشكل منها قطعة المستقيم في الهندسة

للأسف الشديد لم ينتبه حتى ماو تسي تونغ الى هذا الخطأ فقد وردت عبارة أنجلس الخاطئة كما هي في مؤلف ماو تسي تونغ في التناقض ، راجع في التناقض ، مؤلفات ماو تسي تونغ المختارة ، المجلد الاول ، الطبعة العربية ، ص 461 ، دار النشر باللغات الأجنبية ، بكين ، 1968

ومن ما يجدر الأشارة اليه هنا أن أنجلس وقبل عدة صفحات في نفس مؤلفه الأنتي دوهرنغ طبق نفس الخطأ الوارد في اعلاه لكن على الحياة العضوية حيث يقول أنجلس

إن الحياة ، هذا الشكل من الوجود الخاص بالجسم الآحيني ، تستقيم قبل كل شيء في الحقيقة التالية ، ألا وهي أنها تكون في كل برهة ذاتها وشيئا آخر في الوقت نفسه

فريدريك أنجلس، انتي دوهرنغ، الطبعة العربية، ترجمة فؤاد أيوب، الطبعة الاولى، 1965 ، ص 101

ان الجسم المادي سواء أكان جسم حي او غير حي هو ذات نفسه في لحظة ما من الزمن ولتكن ن1 إلا أنه ليس ذات الشيء في لحظة اخرى من الزمن ولتكن ن2 وليس في نفس اللحظة ن1 من الزمن. راجع مقالة نقد النظرية المادية الكلاسيكية (السابقة) للوعي

—————

نأتي الآن الى قانون الأنتقال من التحولات الكمية الى التحولات الكيفية. لقد كان هذا القانون في عهد ماركس وأنجلس ولينين ذو اتجاهين : الأنتقال من التحولات الكمية الى التحولات الكيفية وبالعكس. ان واقع الحال هو ان التحولات الكمية تنقلب الى تحولات كيفية وهذه حقيقة كونية وهناك عدد لا ينتهي من الامثلة مما يحول هذه القاعدة الى قانون من خلال الدليل التجريبي الذي يأتي مطابقا للواقع بصورة تامة. إلا أن العكس أي تحول التغير في الكيف الى تغير في الكم امر غير صحيح ولا يتفق وواقع الحال. وأنجلس نفسه عندما يتطرق لهذا القانون (راجع أنجلس جدليات الطبيعة ، الطبعة العربية ، منشورات دار الفن الحديث العالمي ، دمشق ، 1970 ، ص 86-121 ، وانجلس ، انتي دوهرنغ ، الطبعة العربية ، دار دمشق ، الطبعة الاولى ، 1965 ، 143-145) يسرد امثلة على تحول التغير في الكم الى تغير في الكيف فقط وبعد ذلك يكتفي بعبارة : “والعكس بالعكسدون أن يورد مثالا واحدا على تحول التغير في الكيف الى تغير في الكم. لقد تولى ستالين في مؤلفه الشهير المادية الديالكتيكية والمادية التأريخيةفقد الغى عبارة وبالعكسوقصر القانون على اتجاه واحد من التغير الكمي الى التغير الكيفي. لكن برغم هذا التعديل بقي هذا القانون يعاني من نقص وهو : ميكانيكية هذا التحول أي كيف ينقلب التغير في الكم الى تغير في الكيف؟

هنا يود الصوت الشيوعي أن يطرح النظرية الآتية

يعتقد الصوت الشيوعي أن الزيادة في الكم تنقلب الى تغير في الكيف من خلال تحول الزيادة في الكم الى احد الضدين (المتناقضين) فيزداد الصراع بينه وبين الضد (المتناقض) المقابل له الى ان يصل هذا الصراع لنقطة يصبح عندها الضد (المتناقض) الذي تحولت اليه الزيادة في الكم  متغلبا على الضد (المتناقض) المقابل له(1). وعلى العكس فأن النقص في الكم يؤدي الى نقص في احد الاضداد (المتناقضات) . فاذا اخذنا تحول الماء الى بخار مثلا نلاحظ أن هناك تناقض داخلي في تركيب الماء وهو حركة الجزيئآت من جهة وقوى الترابط الجذبي بين هذه الجزيئآت من جهة اخرى ، وتسخين الماء يؤدي الى تحول الطاقة الحرارية (الزيادة في الكم) الى حركة جزيئية (الضد=التناقض الاول) تعمل على مقاومة قوى التجاذب بين الجزيئآت (الضد=التناقض الثاني) الى أن تتغلب الحركة الجزيئية على قوى الجذب الجزيئي فيتحول عنها الماء الى بخار (التبدل في الكيف). فبدون وجود الاضداد (المتناقضات) لا تؤدي الزيادة في الكم الى تغير في الكيف ، والفلسفة الماركسية الكلاسيكية تعترف بالحقيقة الاخيرة فقد قال ستالين

فنضال هذه المتناقضات …………… هو المحتوى الداخلي لتحول التغيرات الكمية الى تغيرات كيفية

ستالين ، المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية ، الطبعة العربية ، مكتبة المطبوعات الشعبية ، بيروت دمشق ، 1945 ، ص 15

لكن الفلسفة الماركسية الكلاسيكية لم تبين طبيعة العلاقة بين قانون الانتقال من التبدلات الكمية الى التبدلات الكيفية وقانون التناقضات أي كيفية اعتماد الاول في تحققه على وجود الثاني ، أي كيف يتم الأنتقال من التغير في الكم الى تغير في الكيف بالأعتماد على وجود التضاد (التناقض)؟

————–

القانون الخامس للديالكتيك المادي : قانون الأتنقال من التغيرات الكمية الى التغيرات النوعية

وهذا هو الأنجاز الثاني الذي حققه ماو تسي تونغ في تطوير الديالكتيك المادي. لقد اضاف ماو الى مفهوم التناقض تقسيمه إياها الى نوعين : تناقضات تناحرية وتناقضات غير تناحرية. كما قلنا ان الفلسفة الماركسية الكلاسيكية قد اشترطت وجود التناقض كشرط لا بد منه لتحول التغير في الكم الى تغير في الكيف. ان التغير في الكم ينقلب الى تغير في الكيف او النوع اعتمادا على نوع التناقض من حيث كونه تناحري او غير تناحري على التوالي فأن كان التناقض (التضاد) تناحري ادى التغير في الكم الى تغير في الكيف اما اذا كان التناقض (التضاد) من النوع غير التناحري فأن التغير في الكم يؤدي الى تغير في النوع وبنفس ميكانيكية عمل قانون الأنتقال من التغيرات الكمية الى تغيرات كيفية التي يقترحها الصوت الشيوعي أي بتحول الزيادة في الكم الى احد المتناقضين (الضدين) بحيث يؤدي الى غلبته على المتناقض (الضد) الآخر. وفي هذه الحالة ايضا يؤدي النقصان في الكم الى نقصان في احد المتناقضين (اي الضدين)



(1)
لا يمكن أن يزول احد الاضداد (أي احد وجهي التناقض) نهائيا وبصورة كلية إلا اذا زال كليا ضده المقابل (أي الوجه الثاني للتناقض) . ان صراع الاضداد يستمر الى ان تحل اللحظة التي يحل فيها التناقض بينهما : ان القفزة تضع حدا للوحدة بين الاضداد . وتنشأ حالة كيفية او نوعية جديدة (تبعا لكون التناقضات تناحرية او غير التناحرية على التوالي) لتناقضات جديدة ، هذه التناقضات الجديدة سرعان ما تنشأ عن السلوك الحر للكم بعد زوال التناقضات القديمة ومن دون تولد هذه التناقضات الجديدة لا يمكن ان تستمر عملية التطور . فالبرجوازية لا يمكن أن تفنى ما دامت البروليتاريا موجودة وبالمثل لا يمكن أن تفنى البروليتاريا طالما ظلت الرأسمالية ، فحيثما وجدت الرأسمالية وجدت البروليتاريا وحيثما وجدت البروليتاريا وجدت الرأسمالية . ففي المجتمع الأشتراكي حيث توجد البروليتاريا و ديكتاتورية البروليتارياتوجد الرأسمالية . لكن في المجتمع الشيوعي اللاطبقيستزول الرأسمالية نهائيا والى الابد لأن البروليتاريا ستزول نهائيا والى الابد في هذا المجتمع . لكن ما ان يختفي التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية في المجتمع الشيوعي وتزول حتى تظهر تناقضات جديدة (غير تناحرية) وبالاعتماد على وجود هذه التناقضات الجديدة يستمر هذا المجتمع بالتطور فبدون وجود التناقضات وصراعها تتوقف عملية التطور. وللمزيد عن مفهوم وحدة الاضداد راجع كتيب عرض موجز للمادية الديالكتيكيةبقلم بودوستنيك وياخوت ، الطبعة العربية ، دار التقدم ، موسكو ، الاتحاد السوفيياتي ، ص ص 93 – 98 – ملاحظة الصوت الشيوعي

دحض قانون نفي النفي

التلوين باللون الأحمر مع الخط العريض المائل في هذه المقالة من الصوت الشيوعي

في هذه المقالة سنتطرق بصورة مسهبة الى واحد من اكبر اخطاء المادية الديالكتيكية التي صاغها ماركس وأنجلس وسار عليه في ما بعد لينين وظل قائما الى أن اطلق ستالين عليه رصاصة الرحمة في سنة 1936 لكن للاسف الشديد عاد له الشيوعيون من ذوي الجمود العقائدي – وهم الأكثرية – بعد وفاة ستالين ونعني به قانون نفي النفي. احد اهداف هذه المقالة المسهبة حول هذا الموضوع هو بيان اهمية التمسك بتراث ستالين النظري رغم فداحة اخطاء هذا القائد الشيوعي الكبير

اولا ما هو قانون نفي النفي

أن قانون نفي النفي هو احد القوانين الرئيسية في الديالكتيك الهيغلي الذي صاغه هيغل. وقد سحبه ماركس وأنجلس على المادية الديالكتيكية فيما بعد. هذا القانون يفسر التطور في الطبيعة والمجتمع على شكل محلزن. وقد وصفه أنجلس في مؤلفه الشهير الأنتي دوهرينغ بما يأتي

اذا ما صادفت مثل هذه الحبة من الشعير شروطا هي طبيعية بالنسبة اليها ، اذا ما سقطت في تربة مناسبة ، فإنها تجتاز اذن ، تحت تأثير الحرارة والرطوبة ، تحولا نوعيا ، فتنتش ؛ وعندئذ فإن الحبة ، بحد ذاتها ، تكف عن الوجود ؛ انها تنكر ، وفي مكانها تظهر النبتة التي نشأت عنها ، وهي انكار الحبة ولكن ما هي العملية الحياتية الطبيعية لهذه النبتة؟ انها تنمو ، وتزدهر ، وتلقح ، وأخيرا تنتج من جديد حبوب الشعير ، ولا تكاد هذه الحبوب تنضج حتى تموت الساق ، فهي تنكر بدورها. واننا لنحصل من جديد ، بنتيجة هذا الإنكار للانكار ، على حبة الشعير الأصلية من جديد ، لكن لا نحصل عليها لوحدها ، بل مضاعفة عشر أو عشرين أو ثلاثين مرة. ان انواع الحبوب تتغير ببطء فائق ، وهكذا فإن الشعير في اليوم الحاضر هو على وجه التقريب مثلما كان قبل قرن من الزمان. لكن اذا ما أخذنا نبتة تزيينية تشكيلية ، الداهليا أو الأركاديا على سبيل المثال ، وعالجنا البذرة والنبتة التي تنمو منها وفقا لفن البستنة ، فإننا لانحصل بنتيجة هذا الانكار على مزيد من البذور فحسب ، بل نحصل أيضا على بذور أفضل كيفيا ، بذور تنتج ورودا أجمل. وان كل تكرار لهذه العملية ، كل انكار جديد للانكار ، يشدد من عملية الكمال هذه

وإذا أخذنا الحشرات ، فإن هذه العملية تقتفي بالنسبة الى معظمها نفس الخطوط كما في حالة حبة الشعير. ومثال ذلك أن الفراشات تنبثق من البيضة بنتيجة إنكار للبيضة ، وتجتاز بعض التحولات حتى تبلغ النضوج الجنسي ، فتتزاوج وتنكر بدورها ، فتموت حالما تتم عملية التزاوج وتكون الأنثى قد وضعت بيوضها العديدة ………. ان انكار الانكار يقع فعليا في كلتي مملكتي العالم العضوي. وفضلا عن ذلك ، فإن علم طبقات الأرض برمته هو سلسلة من الانكارات المنكرة ، سلسلة من الدمار المتعاقب للتشكلات الصخرية القديمة ورسوبات التشكلات الجديدة

فريدريك أنجلس ، انتي دوهرينغ ، الطبعة العربية ، ترجمة فؤاد أيوب ، دار دمشق ، الطبعة الاولى ، 1965 ، ص 162-163

 نأتي الآن الى الاعتراضات النقدية على هذا القانون

هذا القانون كما اسلفنا من وضع هيغل وليس ماركس او أنجلس. وهيغل مثالي وليس مادي. قانون نفي النفي يصح من الناحية المنطقية في حالتين هما

اولا) أن تكون المثالية هي النظرية الصحيحة أي أن يكون الوعي له الاسبقية في الظهور على المادة ، ويكون نفي النفي موجود في عقولنا وتصوراتنا – أي في وعينا – وبما أن الوعي له الاسبقية في الظهور على المادة والمادة ليست سوى مخرج انتجه الوعي فهي – أي المادة – انعكاس للفكر وبالتالي فأن نفي النفي العقلي سينعكس ويؤثر في الموجود المادي أي الطبيعة والمجتمع

ثانيا) أن يكون نفي النفي ظهرة ذاتية للطبيعة أي أن الطبيعة تقوم بعملية نفي النفي من تلقاء ذاتها. ينتج من ذلك – لو كان هذا الفرض صحيح – أن الطبيعة (ومن ضمنها المادة غير الحية والمادة الحية الواطئة في سلم التطور العضوي التي لا تمتلك جهازا عصبيا) تعمل بصورة غائية أي أن لها ارادة

 نأتي الى هذين الاحتمالين واحدا واحدا : فأما بالنسبة للاحتمال الاول فان الفلسفة الماركسية تنفيه جملة وتفصيلا كونها فلسفة مادية وقد بين أنجلس ذلك بوضوح في مؤلفه العظيم جدليات الطبيعة بالنص الآتي

والخطأ يكمن في أن هذه القوانين (يقصد قوانين الديالكتيك – ملاحظة الصوت الشيوعي) قد فرضت على الطبيعة والتاريخ قوانين للفكر ، وليس قوانين مستنتجة منها.وهذا هو مصدر جميع المعالجة المفروضة والخيالية غالبا ؛ فعلى الكون شاء أم أبى الانسجام مع نظام للفكر ما هو بحد ذاته غير نتاج مرحلة محددة من تطور الفكر البشري. فإذا قلبنا الأمر ، يصبح كل شيء بسيطا ، وتصبح القوانين الجدلية التي تبدو غامضة إلى درجة قصوى في الفلسفة المثالية ، بسيطة وواضحة كوضوح الظهيرة في الحال

فريدريك أنجلس ، جدليات الطبيعة ، الطبعة العربية ، ترجمة محمد أسامة القوتلي ، منشورات دار الفن الحديث ، العالمي ، دمشق ، 1970 ، ص 87

اما بالنسبة للاحتمال الثاني أي أن يكون نفي النفي ظهرة ذاتية للطبيعة أي أن الطبيعة تقوم بعملية نفي النفي من تلقاء ذاتها فهذا للأسف الشديد ما تنادي به الفلسفة الماركسية الكلاسيكية ويعتقد به ماركس وأنجلس ولينين والكثير من الشيوعيين في ايامنا هذه. وهذا الاعتقاد مدرج بكل وضوح في عبارة “فهي تنكر بدورها” – المؤشرة بالأحمر العريض المائل – التي وردت في نص أنجلس من الانتي دوهرينغ الذي استشهدنا به في اعلاه لشرح فكرة قانون نفي النفي. لكن ، وكما اسلفنا للتو في اعلاه أن هذا الزعم يؤدي الى نتيجة مقادها أن الطبيعة (ومن ضمنها المادة غير الحية والمادة الحية الواطئة في سلم التطور العضوي التي لا تمتلك جهازا عصبيا) تعمل بصورة غائية أي أن لها ارادة ، وهذا ما ينفيه العلم جملة وتفصيلا ويرفضه العقل السليم. وأنجلس نفسه رفض هذه النتيجة في مكانات اخرى من نفس مؤلفه “الأنتي دوهرينغ” الذي نادي فيه بكون الطبيعة تقوم بعملية نفي النفي من تلقاء نفسها. فقد قال أنجلس قبل عدة صفحات من النص السابق الذي استشهدنا به لشرح قانون نفي النفي في اعلاه

ان مفهوم الغاية يزود الهر دوهرنغ بانتقال مفهومي الى العالم العضوي. وإنه ليستعير ذلك أيضا من هيغل ، هذا الذي يحقق في منطقه – أو مذهب الفكرة – الانتقال من الكيميائية الى الحياة بواسطة التيلولوغيا ، أو علم الغايات. وحيثما أرسلنا النظر في كتابات الهر دوهرنغ وقعنا على ((الفجاجة)) الهيغلية التي يكيلها لنا دونما ادنى حياء على اعتبارها العلم العميق الجذور الخاص به. وإن الأمر ليذهب بنا بعيدا ان شئنا ان نستقصي هنا مدى ما يكون مشروعا ومناسبا بالنسبة إلينا ان نطبق أفكار الواسطة والغاية على العالم العضوي. وعلى ايه حال ، فان تطبيق ((الغاية الباطنة)) الهيغلية – يعني الغاية التي لم يحملها الى الطبيعة فريق ثالث يفعل عن قصد وتصميم ، كما هي حال حكمة النعمة الالهية ، بل هي تقوم في الضرورة الخاصة بالشيء ذاته – يؤدي هذا التطبيق دائما بالاشخاص الذين لم يحصلوا ثقافة فلسفية كاملة الى ان يعزوا للطبيعة بكل تهور فعالية واعية وهادفة. ان هذا الهر دوهرينغ نفسه ، الذي يمتلىء بالاستياء الأخلاقي غير المحدود لدى اقل اتجاه ((روحاني)) عند الناس الآخرين ، يؤكد لنا ((بكل يقين ان الأحساسات الغريزية قد خلقت في الأصل بغية الرضى المتضمن في فعاليتها.)) وانه ليخبرنا ان الطبيعة المسكينة ((مجبرة باستمرار على الحفاظ على النظام في عالم الأشياء)) ، ولا بد لها إذ تفعل ذلك من تسوية اكثر من قضية واحدة تتطلب من جانب الطبيعة قدرا من الحنكة أكثر مما يعزى اليها عادة. لكن الطبيعة لا تعرف فحسب لماذا تصنع هذا الشيء او ذاك ، وليس من واجبها ان تنجز مهمات الوصيفة فحسب ، وهي لاتملك الحنكة فحسب ، هذه الحنكة التي تشكل بحد ذاتها إنجازا رائعا تماما في الفكر الواعي الذاتي بل ان لها ارادة أيضا. ذلك ان ما تفعله الغرائز فضلا عن ذلك ، اذ تلبي بصورة عارضة وظائف طبيعية مثل الغذاء ، التكاثر ، الخ …((يجب الا نعتبره مقصودا بصورة مباشرة ، بل بصورة غير مباشرة فحسب)). وهكذا فقد وصلنا الى طبيعة مفكرة وفاعلة بصورة واعية ، وبذلك نكون قد وقفنا على ((الجسر)) الذي اذا لم يصل بين السكوني والحركي ، فانه يصل بين المذهب الحلولي والمذهب الألوهي. أم لعل الهردوهرنغ ينساق قليلا ، ولو لمرة واحدة فقط ، مع ((نصف الشاعرية الطبيعية – الفلسفية))؟

ذلك محال

فريدريك أنجلس ، انتي دوهرينغ ، الطبعة العربية ، ترجمة فؤاد أيوب ، دار دمشق ، الطبعة الاولى ، 1965 ، ص 83-84

 ويقول أنجلس في مكان آخر

إن اللوم الرئيسي الموجه الى دارون هو انه نقل نظرية السكان المالتوسية من الاقتصاد السياسي الى العلم الطبيعي ، أنه وقع أسيرا لأفكار مربي الحيوانات ، أنه اتبع في نظريته عن الصراع من أجل الوجود شاعرية نصفية غير علمية ، وان الدارونية بأسرها ، بعد ما نحذف منها الأشياء التي استعارتها من لامارك ، هي تمجيد للتوحش موجه ضد الانسانية

نفس المصدر السابق ، ص 84

 ويواصل أنجلس كلامه

لقد رجع دارون من رحلاته العلمية بالرأي القائل إن الأنواع النباتية والحيوانية ليست ثابتة بل عرضة للتحول. ولم يكن يتوفر له ، في سبيل متابعة هذه الفكرة بعد رجوعه الى دياره ، حقل أفضل من حقل تنشئة الحيوانات والنباتات

نفس المصدر السابق ، ص 84

 ويواصل أنجلس كلامه

ولقد تبين لدارون أن هذه التربية تنتج بصورة مصطنعة ، بين الحيوانات والنباتات من الانواع نفسها ، فوارق أعظم من الفوارق التي نجدها بين الأنواع المعترف بها بصورة عامة على اعتبارها أنواعا مختلفة. وهكذا تقرر من جهة واحدة تحول الأنواع حتى درجة معينة ، ومن جهة اخرى امكانية وجود نسب مشترك من أجل العضويات ذات الخصائص النوعية المختلفة. ومن ثم فتش دارون عما اذا لم يكن في الامكان ان تتوفر في الطبيعة أسباب تنتج في سياق الزمن – دون قصد واع من جانب المربي – في العضويات الحية تبدلات مماثلة لتلك التبدلات الناشئة عن التربية الاصطناعية. ولقد اكتشف هذه الأسباب في عدم التناسب بين العدد الفائق من البذور التي تخلقها الطبيعة والعدد التافه من العضويات التي تبلغ مرحلة النضوج بصورة فعلية. لكنه لما كانت كل بذرة تسعى الى النمو ، فانه ينشأ بالضرورة صراع من أجل الوجودلا يتظاهر بمجرد قتال بدني مباشر أو التهام فحسب ، بل كصراع في الوقت ذاته من أجل المكان ومن أجل النور حتى بالنسبة الى النباتات

نفس المصدر السابق ، ص 84-85

ويواصل أنجلس كلامه

وفي رأيه أنه من الواضح أن الحديث عن الصراع من اجل الوجود لايمكن ان يجري بشأن النباتات غير الواعية وأكلة النباتات الدمثي الأخلاق. ((ان الصراع من اجل الوجود ، في معناه الدقيق والمحدد ، موجود في مملكة التوحش بقدر ماتحيا الحيوانات على الطرائد وافتراسها)). وبعد ما يقصر فكرة الصراع من اجل الوجود على هذه الحدود الضيقة ، فانه يستطيع أن يشفي غليله من وحشية تلك الفكرة التي قصرها هو نفسه على الوحشية. بيد أن هذا الاستياء الأخلاقي لا يرتد سوى على الهردوهرنغ وحده ، الذي هو في الحقيقة المؤلف الوحيد للصراع من اجل الوجود بهذا المفهوم الضيق ، وبالتالي فانه وحده المسؤول عنه. وبنتيجة ذلك فليس دارون هو الذي ((يبحث عن قوانين سائر افعال الطبيعة ويحاول فهمها في مملكة الوحوش)) – في الحقيقة ان دارون شمل بكل وضوح مجموع الطبيعة العضوية في هذا الصراع – بل غول وهمي اخترعه الهر دوهرنغ نفسه. ولهذه الغاية فانه يمكن التضحية بكل طيبة خاطر بالاسم ، الصراع من اجل الوجود ، لاستياء الهر دوهرنغ الأخلاقي الرفيع(ان العلماء المحدثين يتفقون مع أنجلز في لوم دارون بسبب هذه التسمية التي اختارها : الصراع من اجل الوجود ، اذ هي تسيء التعبير عن فكرته الاساسية ، وتوحي الى القارىء بأن يعتبر هذا الصراع ثمرة للوعي والارادة ، مثله مثل المنافسة البشرية في المجتمع الراسمالي – هامش). أما ان هذه الحقيقة موجودة بين النباتات ايضا ، فذلك ما يمكن تبيانه له بواسطة كل مرح ، وكل حقل من الحبوب ، وكل غابة ؛ وليست المسألة المتنازع عليها ماذا يجب تسمية ذلك ، ((الصراع من أجل الوجود)) أم ((الافتقار الى شروط الحياة والتأثيرات الميكانيكية)) ، بل كيف تؤثر هذه الحقيقة على بقاء الأنواع او تحولها. وإن الهر دوهرنغ ليلوذ في هذا الخصوص بصمت عنيد ومتكافىء ذاتيا. وبالتالي فانه يمكن في الوقت الحاضر أن تظل الأشياء جميعا على ما كانت عليه في الانتقاء الطبيعي

نفس المصدر السابق ، ص 86-87

وقد قال دارون نفسه ما يأتي

ولقد أخطأ بعض الكتاب فهم المقصود من ((الانتخاب الطبيعي)) أو اعترضوا عليه. وظن البعض الآخر أنه السبب الذي ينتج الاستعداد للتحول ، مع أن تأثيره مقصور على حفظ التحولات التي تظهر في العضويات ، وتكون مفيدة لها في حياتها الطبيعية. بيد أنهم لم يعترضوا على ما يقوله الزارعون من تأثير قوة الإنسان في الانتخاب. ذلك لأن التباينات الفردية التي تبدعها الطبيعة في صور الكائنات ، والتي ينتخبها الإنسان لأمر ما ، هي أول التباينات حدوثا بحكم الضرورة. واعترض البعض على ((الانتخاب)) بأنه يدل على انتخاب الحيوانات التي تهذبت صفاتها انتخابا مقصودا بالذات لا غير. وبلغ بهم الإغراق إلى الاستدلال بأن النباتات إذ هي معدومة الإرادة والاختيار ، فلا يكون للانتخاب الطبيعي عليها من سلطان. على أن اصطلاح ((الانتخاب الطبيعي)) ذاته ليس بصحيح من الوجهة اللفظية بيد أنني لم أر من جهة أخرى اعتراضا على علماء الكيمياء لدى كلامهم في ((الخصيات الانتخابية لكل عنصر من العناصر المختلفة)) في حين أنه لا يجوز أن يقال إن أي حمض من الأحماض يختار العنصر الذي يفضله للامتزاج به ، ويكون الكلام صحيحا من كل الوجوه! وقيل: إنني لم أتكلم في ((الانتخاب الطبيعي)) إلا باعتبار أنه قوة فاعلة غالبة ، أو أنه مستمد من وراء الطبيعة. أفيعترض لهذا على أي من الكتاب لدى قوله : ((إن جاذبية الثقل هي التي تضبط سير الأجرام السماوية وتحدد مقدارها))؟ وغير خفي ما يقصد بهذا الاصطلاح المجازي زما يراد الاستدلال به. كذلك ليس من الهين أن تدع تجسيم لفظة ((الطبيعة)) في كل ذلك. ولست أقصد بالطبيعة سوى فعل الاستجماع مقرونا بتأثير السنن الأخرى. كما أني لا أقصد بالسنن سوى تتابع وقوع الحوادث الكونية كما ثبتت حقائقها لدينا. لذلك ينبغي أن نغض الطرف عن هذه الاعتراضات الواهية وأمثالها ، وإن كان لها بعض الشأن على اعتبارات عرضية صرفة

جارلس دارون ، أصل الانواع ، الطبعة العربية ، ترجمة إسماعيل مظهر ، منشورات مكتبة النهضة ، بيروت – بغداد ، 1973 ، ص 214-215

 وقد اثبت العلم الحديث الطبيعة التصادفية – اللاسببية وبالتالي غير الغائية – لعملية التطور العضور والانتخاب الطبيعي

ان فكرة كون الطبيعة تعمل بصورة غائية توصل ، كما بين أنجلس الى فكرة طبيعة مفكرة وفاعلة بصورة واعية. وهذه الأخيرة يمكن تؤدي الى فكرة فلسفية تعرف ب “البانسايكزم” أي القول بأن كل شيء في الطبيعة يمتلك فكرا او روحا. انها فكرة سخيفة يرفضها العلم – راجع الحوار بين أكلس وبوبر في الجزء الحواري بينهما في  كتاب النفس ودماغها لبوبر وأكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج وكيغن باول ، لندن بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983 ، ص 517-518

وهنا تجدر الاشارة الى نص ملفت للنظر لأنجلس في نفس مؤلفه الانتي دوهرنغ وهذا نصه

وهكذا فإذا كانت الضفادع البرية والحشرات القارضة لأوراق الشجر خضراء اللون ، وحيوانات الصحراء صفراء بلون الرمال ، وحيوانات المناطق القطبية بيضاء بلون الثلج على الأغلب ، فمن المؤكد أنها لم تتخذ هذه الألوان عن قصد أو مطابقة مع أية تصورات ، بل الأمر على النقيض من ذلك ، اذ لايمكن تعليل الألوان إلا على أساس القوى الحكمية والعوامل الكيميائية. ومع ذلك فإنه لا سبيل للانكار بأن هذه الحيوانات هي متكيفة بصورة غائية. بسبب تلك الألوان ، مع البيئة التي تحيا فيها ، بمعنى أن مشاهدتها أصبحت أشد صعوبة الى أعدائها. وان بعض النباتات التي تمسك بالحشرات الواقفة عليها وتلتهمها لهي متكيفة بالطريقة ذاتها تماما مه هذا العمل ، بل متكيفة بصورة غائية. وبنتيجة ذلك ، فإنه اذا كان الهر دوهرنغ يصر على أن هذا التكيف يجب ان يتحقق بواسطة التصورات ، فإنه كمن يقول – لكن بكلمات أخرى – أن الفعالية الغائية يجب أن تتحقق أيضا بواسطة التصورات ، يجب أن تكون واعية وهادفة. وإن هذا ليؤدي بنا ، كما هي الحال عادة في فلسفته عن الواقع ، الى خالق غائي ، الى الله. ويحدثنا الهر دوهرنغ قائلا : ((ان تعليلا من هذا النوع قد كان يدعى حلوليا ، ولم يكن موضوعا للتفكير … بيد أن الأمور تلوح الآن ، في هذا المجال أيضا ، وكأنها تطورت بصورة رجعية

فريدريك أنجلس ، الانتي دوهرنغ ، الطبعة العربية ، ترجمة فؤاد أيوب ، دار دمشق ، الطبعة الاولى ، 1965 ، ص 88-89

 على الرغم من أن أنجلس ينفي في هذا المقطع المصدر الفكري – التصورات العقلية – للعمليات الطبيعية إلا انه في نفس الوقت يثبت الفعل الغائي (الغرضي) التلقائي للطبيعة. ان في ذلك نقض لكل تأكيدات أنجلس بعدم صحة ذلك والتي وردت في نصوصه السابقة التي وقبل عدة صفحات قليلة في نفس المؤلف “الانتي دوهرنغ”. ان عملية التكيف التي تحدث من خلال ظاهرة الانتخاب الطبيعي ، وكما يقول العلم الحديث تتم بصورة تصادفية (عشوائية) وليس غرضية

ولكي نكون منصفين مع أنجلس وماركس ولينين في خطئهم عندما اعتبروا أن الطبيعة تقوم من تلقاء ذاتها بنفي النفي ، ننوه بأن كارل بوبر فيلسوف القرن العشرين وقع في خطأ مشابه – ولو أقل عمومية بكثير من خطأ ماركس وأنجلس ولينين – عندما اعتبر أن عملية الانتخاب الطبيعي تتم بصورة شبه غرضية وأن الكائنات الحية تختار اختيارا حقيقيا بيئتها وهذا من آراء بوبر التي لا يوافق عليها العلم الحديث كما اشار بوبر الى ذلك في هامشه الموجود ضمن الفقرة الآتية التي يعرض فيها فكرته حول غرضية التطور العضوي

قال بوبر

من خلال تبني شكل جديد من السلوك قد يغير الكائن الفرد بيئته. …… قد يفضل حيوان نوع جديد من الطعام بصورة واعية ، نتيجة للممارسة والخطأ. هذا يعني تغير بيئته الى درجة أن الجانب الجديد من البيئة يضطلع بأهمية عضوية (بيئية) جديدة. بهذا الطريق ، قد تؤدي تفضيلات الفرد وخبراته الى الانتخاب ، وربما حتى الى البناء ، للكوة البيئة الجديدة. من خلال هذا الفعل الفردي ، قد”يختار” الكائن ، حيث يكون ، بيئته(2) ؛ وربما يعرض نفسه واحفاده الى مجموعة جديدة من ضغوط الانتخاب ، المميزة للبيئة الجديدة. وهكذا فأن فعالية ، تفضيلات ، خبرة ، وخواص الكائن الفرد قد تؤثر بصورة غير مباشرة على الضغوط الانتخابية التي يتعرض لها ، وعلى نتائج الانتخاب الطبيعي

—————

هامش 2) في حين أني اعتقد ان الحيوانات والبشر يقومون بعملية اختيار حقيقي ، يستطيع المادي ، بالطبع ، أن يفسر مثل هذه الاختيارات على انها في النهاية ليست سوى نتائج العشوائية ومرشحات الانتخاب. على أية حال ، ليس من شأني مناقشة هذا الموضوع هنا – هامش لكارل بوبر في النص اعلاه

من كتاب النفس ودماغها لكارل بوبر وجون أكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج وكيغان باول ، لندن ، بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983 ، ص 12

****************

من هنا يتبين اهمية دراسة تراث ستالين النظري وتحليله بغية التعرف على ما هو صائب وما هو خاطيء فيه ، واهمية التمسك بصحيحه ، على الرغم من الأخطاء المدمرة التي ارتكبها هذا القائد الشيوعي الكبير. فقد اسقط ستالين في “كتيبه” المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية قانون نفي النفي واستعاظ عنه بقانون الحركة والتطور نحو الامام في الطبيعة والمجتمع والذي يفسر مجرى التطور على هيئة خط مستقيم كما يرى العلم الحديث ذلك. هناك من يحتقر تراث ستالين النظري ومؤلفاته النظرية واصفا اياها احتقارا لحجمها الصغيرب “كتيبات”. ان مثل هؤلاء لا يعرف ما لهذه الكتيبات من قيمة وما تحتويه من بلاغة. أن البلاغة تعني تأدية اكبر عدد ممكن من المعاني بأقل عدد ممكن من الكلمات. فاذا قارنا كتاب لينين العظيم “المادية والمذهب النقدي التجريبي” مع “كتيب” ستالين المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية ، نجد أن الأخير لا يقل قيمة عن الاول بشموله حتى قيل عنه أنه يجمع مباديء الأشتراكية العلمية بين غلافيه. وبالأضافة الى شمولية هذا الكتيب فقد ازال خطأ كبيرا من الفكر الشيوعي يتضمنه مؤلف لينين الظخم

دحض العلم الحديث للمفهوم الماركسي الكلاسيكي للسببية والحتمية والحرية – الجزء الثالث

المناقشة النقدية للصوت الشيوعي

في تقييمنا النهائي للمفهوم الماركسي الكلاسيكي للسببية والحتمية والحرية سنقسم نقدنا على مستويين

اولا) اعتراضات جوهرية : وهي اعتراضات تتناول جوهر المفهوم الماركسي الكلاسيكي أي في ما اذا كان هذا المفهوم صحيح ام خاطيء من حيث الاساسا اصلا

ثانيا) اعتراضات على الشكل : وهي اعتراضات تتناول اخطاء في شكل المفهوم الماركسي الكلاسيكي أي في ما اذا كان هناك تناقض داخلى في هذا المفهوم ام لا ، حتى لو افترضنا انه صحيح من حيث الأساس

اولا) الأعتراضات الجوهرية

بمقارنة المفهوم الماركسي الكلاسيكي مع المفهوم العلمي الحديث نلاحظ فارقا بينهما يصل الى درجة التناقض المطلق وعلى خط مستقيم وبفرق في الزاوية مقداره 180 درجة وكما يأتي

اليف – فالمفهوم الماركسي الكلاسيكي يعتبر أن الكون بطبيعته سببي والسببية صفة اساسية وازلية له في حين أن المفهوم العلمي الحديث يعتبر أن الكون بطبيعته لا سببي (حر) واللاسببية (الحرية) صفة اساسية وازلية له وأن السببية الظاهرة للعيان هي مجرد وهم وهي في حقيقتها مظهر للحرية ذلك أن السببية الظاهرة للعيان ليست سوى مظهر (حالة خاصة) للأحتمالية ، فهي مظهر (حالة خاصة) للعشوائية ، فهي مظهر (حالة خاصة) للسلوك الحر (التصادفي العشوائي) الأساسي للكون المشتق من السلوك الحر (التصادفي العشوائي) للكم أي الفوتون ، وأن هذه السببية الوهمية ناتجة من أن الأنظمة الثقيلة بصورة كافية (أنظمة تتكون من بضعة آلاف من الذرات ، مثل الجزيئات العضوية الكبيرة ، والأنظمة الأثقل) تتفاعل بصورة تقريبية بموجب قوانين النظام الرتيب للميكانيك الكلاسيكي ، بشرط أن لا تتفاعل مع بعضها كيميائيا ، وهذه السببية الوهمية تنعدم على مستوى الذرات والجزيئآت ذلك أن كون نواة الذرة عبارة عن نظام من جسيمات في حركة سريعة محاطة بغيمة من الألكترونات، كافي لتدمير البديهية الذرية القديمة المتعلقة بالحتمية الميكانيكية. فالتفاعل بين الذرات وبين الجزيئات يمتلك جانبا عشوائيا ، جانب الصدفة ؛ “صدفة” ليس فقط بالمعنى الأرسطوطاليسي الذي يعتبر أن الصدفة نقيض للغرض ، لكن صدفة من ناحية خضوعها لنظرية الأحتمالية الموضوعية للأحداث العشوائية ، اكثر من خضوعها لأي شيء آخر ، وهذا السلوك (الحر) الذي تسلكه الذره مشتق من السلوك الحر (العشوائي التصادفي) للفوتون أصغر وحدة للطاقة والتي هي الأصل الذي نشأت منه المادة بعد حدوث الأنفجار الأعظم – راجع مقالة المفهوم المادي للكون من وجهة نظر المادية الحديثة ومقالة البداية والنهاية للزمان والمكان ومقالة النظرية المادية الحديثة (الحالية) للوعي – نظرية التحول الاحادي ومخطوطة كارل بوبر مادية تسمو على الموجود المادي

باء – كذلك يرى المفهوم الماركسي الكلاسيكي أن الصدفة ليست سوى حالة خاصة (مظهر) للسببية كونها – أي الصدفة – ليست سوى التقاء عفوي لسلسلتين او اكثر من الأسباب في حين ، وعلى العكس من ذلك تماما يرى العلم الحديث أن السببية الظاهرة للعيان ليست سوى مظهر (حالة خاصة) للأحتمالية ، فهي مظهر (حالة خاصة) للعشوائية ، فهي مظهر (حالة خاصة) للسلوك الحر (التصادفي العشوائي) الأساسي للكون المشتق من السلوك الحر (التصادفي العشوائي) للكم أي الفوتون

من ما ورد في اعلاه يتبين أن المفهوم الماركسي الكلاسيكي يتناقض تماما مع العلم الحديث ولا مجال لقبوله او تعديله بهدف التوفيق بينه وبين المفهوم العلمي الحديث ذلك أن درجة الفرق بينهما بينة جدا لا تبقى ضمن حدود الأختلاف بل تتعدى ذلك لتصل الى مستوى التناقض الشامل

جيم – اما في ما يتعلق بمقولة الحتمية التأريخية فطيب العلم ثراها وبشبش طوبتها ودحضها دحضا لا سبيل الى رده – راجع مقالة منشأ الحركات الأرادية وهدم نظرية بافلوف في الارتباط الشرطي لتفسير الأرادة

************************

ثانيا) الأعتراضات على الشكل

لو اهملنا ما ورد في اعلاه من الأعتراضات الجوهرية ولو فرضنا فرضا فرضا جدلا جدلا أن المفهوم الماركسي الكلاسيكي صحيح من حيث الأساس وأن الكون بطبيعته سببي وقدري وأن السببية والقدرية صفتان أساسيتان وازليتان وموضوعيتان للكون. فلن يسلم المفهوم الماركسي الكلاسيكي من النقد وكما يأتي

اليف – أن قيام ماركس وأنجلس بسحب مفهوم هيغل (المثالي) للسبب النهائي على فلسفتهما (المادية) وجعل الفعل المتبادل سبب وعلة وجود الكون وتطوره لا يتفق من الناحية المنطقية مع المفهوم المادي للكون إلا اذا صح الزعم القائل بعدم وجود بداية في الزمان والمكان. ذلك أن القول بأن الفعل المتبادل سبب وعلة وجود الكون وتطوره يصطدم مع مشكلة العلة الأولى للكون التي سببت نشوئه. أن مسألة العلة الأولى ليست مشكلة بالنسبة للفلسفة المثالية – ومن ضمنها فلسفة هيغل – ذلك أن الفكرة المطلقة (الأله) هو الذي يشكل العلة الأولى للكون. لذا تحاول الفلسفة الماركسية الكلاسيكية بشتى السبل التهرب من هذه المسألة التي تشكل معضلة بالنسبة لها ولكن فلسفة مادية من خلال القول بعدم وجود بداية في الزمان والمكان ويستميت الشيوعييون من ذوي الجمود العقائدي في الدفاع عن هذه الفكرة الأخيرة بشتى السبل منكرين كل الحقائق العلمية التي تشير الى وجود بداية للزمان والمكان ، علما أن البرهان على صحة الفكرة القائلة بعدم وجود بداية في الزمان والمكان لا ينفي من الناحية المنطقية امكانية وجود خالق للكون وكذلك فأن البرهان على وجود هكذا بداية لا يعتبر بالمقابل دليل على وجود خالق للكون – لكن بشرط أن يكون الكون لا سببي بطبيعته وهذا ما اثبته العلم الحديث – راجع مقالة البداية والنهاية للزمان والمكان

  : باء – أن محاولة ماركس وأنجلس (وهي محاولة هيغل في الأصل)  للتوفيق بين الحتمية والحرية من خلال القول  ان الضرورة لاتكون عمياء إلا بقدر ما لا تكون مفهومة ، وأن الحرية لا تستقيم في حلم الاستقلال عن القوانين الطبيعية ، بل في معرفة هذه القوانين ، وفيما تمنحه هذه المعرفة من إمكانية تشغيل تلك القوانين، بصورة منهجية، في اتجاه أهداف محددة على اعتبار أن الحرية هي تقدير الضرورة حق قدرها، هذه المحاولة غير صحيحة وخاطئة بالمرة كونها تناقض نفسها بنفسها. ذلك أن معرفة قوانين الطبيعة واستعمالها بعد ذلك للسيطرة على الطبيعة والذات هو ، في حقيقة الأمر ، الغاء للحتمية مع الأبقاء على السببية. والامثلة على ذلك كثيرة جدا لا تعد ولا تحصى وهذا واحد منها : الهندسة الوراثية : قبل اكتشاف قوانين الوراثة من قبل مندل ونشوء علم الوراثة بسبب من ذلك كانت عملية انتقال الصفات الوراثية وتحديدها تتم بصورة عمياء ولا دخل للانسان فيها ولا قدرة له على التحكم بها او توجيهها او حتى التعديل فيها أي انها كانت تتم بصورة قدرية من دون دور لارادة الانسان. لكن بعد اكتشاف مندل لقوانين الوراثة اخذت الامور تتبدل شيئا فشيء….. فاخذ الانسان يمتلك ، بالتدريج وتناسبا مع مستوى معرفته في علم الوراثة والجينات ، دورا متعاظما في عملية الوراثة الجينية وصل ذروته في ظهور علم الهندسة الوراثية والتي اصبح الانسان عن طريقه قادرا على التحكم في عملية التوريث الجيني للصفات فاصبح قادرا على منع ظهور صفات لا يرغب بضهورها واصبح قادرا على خلق صفات جديدة من خلال التلاعب بتركيب الجينات او حذف قسما منها كليا او جزئيا او من خلال اضافة مورثات غير موجودة. فلم تعد عملية الوراثة ظاهرة قدرية وحتمية بل اصبحت تتسم شيئا فشيئا بالحرية كلما زادت معرفة الانسان بعلم الجينات. وقدرة الانسان على التحكم بتوارث الصفات المحددة جينيا آخذة في الزيادة شيئا فشيئا باتجاه تحقيق السيطرة المطلقة له على هذه العملية. لا بل أن الامر قد وصل في ايامنا هذه الى ظهور علم جديد هو علم التصميم الجيني الذكي والذي يسعى العلماء من خلاله الى صنع وانتاج كائنات جديدة والتحكم بتركيب الموجودة منها حاليا من طريق التحكم بالتركيب الجيني. أن في ذلك كله قضاء على الحتمية من اصلها ونسفا لها من الاساس مع الابقاء على السببية

 وأنجلس نفسه اشار الى ذلك. واليكم ما قاله بهذا الصدد

 صحيح أن التعاقب المنتظم لظواهر طبيعية معينة يقود لوحده إلى فكرة السببية : الحرارة والضوء اللذان يرافقان الشمس ؛ لكن ذلك لا يقدم أي دليل ، وريبية هيوم كانت ، إلى ذلك المدى ، على حق في القول : بعد هذا منتظم لا يمكنه إثبات : بسبب هذا مطلقا. لكن فعالية الكائنات البشرية تؤلف الامتحان للسببية. لو وجهنا أشعة نار عادية ، لبرهنا بتلك الوسيلة على أن الحرارة تأتي من الشمس. إذا وضعنا في بندقية الطعم والشحنة المتفجرة والرصاصة معا ، ثم اطلقنا ، فإننا نعتمد على الاثر المعروف مقدما من الخبرة السابقة ، لأن باستطاعتنا متابعة العملية الكاملة للاشتعال والاحتراق والانفجار بواسطة التحول السريع الى الغاز وضغط الغاز على الرصاصة ، بتفاصيلها جميعا. وليس بوسع الريبي حتى القول إنه لا يستتبع ، بسبب الخبرة السابقة ، أن العملية ستكون نفسها في المرة القادمة. فالواقع أنه يحدث بالفعل أحيانا ألا تكون نفسها ، كأن يجدب الطعام أو الطعم أو البارود ، وأن تنفجر السبطانة ، الخ. غير أن هذا هو بالتحديد الذي يبرهن على السببية بدل أن يدحضها ، اذ نستطيع بالاستقصاء الملائم ، اكتشاف كل شذوذ عن القاعدة مثل هذا : التحليل الكيميائي للطعم ، رطوبة الخ ، البارود تلف في السبطانة الخ. ، الخ. بحيث أن امتحان السببية هنا امتحان مضاعف ، أن جاز القول

العلوم الطبيعية مثلها كمثل الفلسفة ، أهملت حتى الآن تأثير فعالية الناس في فكرهم إهمالا كليا ؛ كلاهما لا يعرف سوى الطبيعة ، من ناحية ، والفكر ، من الناحية الأخرى. بيد أن تغيير الطبيعة من قبل الناس ، وليس الطبيعة بحد ذاتها فقط ، هو بالتحديد أساس الفكر البشري الأكثر جوهرية ومباشرة. وبمقدار ما تعلم الانسان أن يغير الطبيعة ، بمقدار ما ازداد ذكاء ، إن المفهوم الطبيعي للتاريخ ، كما يوجد عند درايبر وعلماء آخرين بدرجة أكثر أو اقل ، على صورة أن الطبيعة تؤثر في الانسان تأثيرا مطلقا ، وأن الشروط الطبيعية في كل مكان عينت تطوره التاريخي تعيينا مطلقا ، هو مفهوم وحيد الجانب بسبب هذا. وهو ينسى أن الانسان يمارس أثره في الطبيعة مغيرا إياها وصانعا شروط وجود جديدة لنفسه. كان قد بقي القليل جدا من ((الطبيعة)) مثلما كانت في ألماني ، عندما هاجرت إليها الشعوب الجرمانية. إن سطح الارض والمناخ والحياة النباتية والحيوانية ، والكائنات البشرية ، ذاتها تغيرت تغيرا ضخما الى أبعد الحدود ، ومرد كل ذلك إلى الفعالية البشرية ، في حين أن تغيرات الطبيعة في ألمانيا التي حدثت في هذه الفترة الزمنية بدون تدخل بشري صغيرة إلى حد غير متوقع

فريدريك أنجلس ، جدلية الطبيعة ، الطبعة العربية ، منشورات دار الفن الحديث العالمي ، دمشق ، 1970 ، ترجمة محمد أسامة القوتلي ، ص 323-324 – الخط الاسود المائل العريض مع الخلفية البيضاء لأنجلس

 اذن فالاعتراض على المفهوم الماركسي الكلاسيكي للحتمية والحرية – من حيث الشكل – يتمثل بأن الاعتراف بتأثير فعالية الناس في تغيير الطبيعة والمجتمع من خلال معرفتهم للقوانين الطبيعية والاجتماعية يؤدي في واقع الامر الى زوال الحتمية مع الابقاء على السببية. فأذا كان معرفة الانسان بقوانين الطبيعة والمجتمع تمكنه من تحقيق السيطرة عليهما – وهذا امر غير مفروغ منه – فكيف تظل حتمية بعد؟ اذا فهذا المفهوم (الحرية هي معرفة الضرورة) لا يوفق بين الحرية والحتمية بل يوفق بين الحرية والسببية

********************

الخلاصة

ان مفهوم ماركس وأنجلس (والذي هو بالأصل مفهوم هيغل) للسببية والحتمية والحرية كان في وقتها مقبول من حيث الأساس رغم خطئه حول العلاقة بين الحتمية والحرية. ففي زمن ماركس وأنجلس كانت العلوم متخلفة فكان علماء الفيزياء يعتقدون بعدم وجود بداية في الزمان والمكان ولم تكن النسبية قد ظهرت للوجود بعد….. لذا كان مفهوم ماركس وأنجلس صالحا من حيث الأساس ومتفقا مع مستوى المعرفة العلمية في وقتهما. اما في ايامنا هذه فلم يعد لهذا المفهوم أي اساس علمي من الصحة يمكن أن يستند عليه. فالحتمية سواء كانت مادية او تأريخية ليست سوى خرافة لا وجود لها إلا في اذهان الجهلة والناس البسطاء فكلمة القدر اصبحت مجرد اسطورة ورثها الانسان مع باقي الاساطير مثل اسطورة اللقلق الذي يحمل الطفل الصغير بمنقاره لينزله من خلال المدخنة الى اهله. فلا يصح بشيوعيي اليوم أن ينادوا بها كما تفعل الجدات عندما يقصصن اساطير الاولين على احفادهن. فعلى الشيوعيين أن يضعوا المفهوم الكلاسيكي للسببية والحتمية والحرية في متحف التأريخ الطبيعي مع متحجرات الحيوانات المنقرضة كالديناصورات وفيلة الماموث. ان ذلك مهم جدا لأن الاعتقاد بالحتمية التأريخية قد تحول الى افيون يعمل بعض الشيوعيين على تعاطيه ليبرروا لانفسهم الاستكانة والتخلي عن النضال على اعتبار أن الأشتراكية تتبع الرأسمالية بالضرورة كما يتبع الليل النهار فلا حاجة ، بالتالي ، للنضال والكفاح لتحقيقها متناسين تأكيدات ماركس وأنجلس – وقد اوردنا احدها للتو – على اهمية الدور الذي تلعبه فعالية الانسان في التطور الاجتماعي وضرورة نضال الانسان كشرط لا بد منه لتحقيق الاهداف – هذه التأكيدات التي تتناقض مع مقولة الحتمية التاريخية – . كذلك فقد استغل التحريفيين الحتمية التأريخية ابشع استغلال في وضع الاسس النظرية والترويج لخرافاتهم وتمريرها على الناس وكان منها نظرية التعايش السلمي التحريفية التي وضعها الخائن خروشوف متخذا من الحتمية التأريخية عمادا نظريا لها بغية تمريرها على الناس واستغفال عقول البشر بالاعتماد على مقولات خاطئة قالها في وقت سابق ماركس او أنجلس او لينين واثبت العلم الحديث بطلانها من الاساس – كما سنتطرق الى ذلك في مقالة منفصلة

يجب على الشيوعيين – أن هم ارادوا النهوض – أن يتعلموا مواجهة الحقائق العلمية كما هي وأن يبنوا عملهم في ضوء هذه الحقائق. يجب على الشيوعيين – أن هم ارادوا النهوض – أن يقيموا المقولات الماركسية على ضوء العلم لا أن يقيموا العلم على ضوء هذه المقولات. يجب على الشيوعيين – أن هم ارادوا النهوض – أن يتخذوا من العلم منطقا لعقيدتهم الماركسية لا أن يجعلوا الماركسية منطقا للعلوم كما يفعل دعات الرجعية الدينية عندما يصرحوا بأن القرآن هو مصدر كل العلوم والمعرفة وأن المعارف الحقة لا يمكن أن تشتق إلا منه وبالأعتماد عليه وعلى ما ورد فيه. يجب على الشيوعيين – أن هم ارادوا النهوض – أن يتوقفوا عن تحويل الشيوعية الى دين بل يجب عليهم أن يعيدوها الى ما يجب أن تكون : اداة لتغير العالم على ضوء الواقع الملموس والمعرفة العلمية الحديثة. يجب على الشيوعيين – أن هم ارادوا النهوض – أن لا يحولوا كتاب “رأس المال” الى قرآن او “الانتي دوهرنغ” او “جدلية الطبيعة” الى اناجيل. يجب على شيوعيي اليوم – أن هم ارادوا النهوض – أن لا يحاربوا الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين بالاستناد على مؤلفات ومقولات ثورية قيلت في القرن التاسع عشر فحسب بل عليهم أن يخلقوا مؤلفات ومقولات ثورية جديدة تتفق مع مستوى المعرفة العلمية للعصر الذين يعيشون فيه. يجب على الشيوعيين – أن هم ارادوا النهوض – عندما يقرؤن مقولات ماركس أو أنجلس او لينين او ستالين او تروتسكي او ماو او غيرهم من الكلاسيكيين أن يقيموها في ضوء العلم الحديث ليتبينوا ايها صائبة وايها خاطئة ليأخذوا الصالح منها ويسيروا عليه ويحذفوا الخاطيء ولا يعملوا به. يجب على الشيوعيين – أن هم ارادوا النهوض – أن يتعلموا كيف يميزوا بين الصحيح العلمي من المتخلف في ما ورد من مقولات كلاسيكية من تراثهم النظري الزاخر

دحض العلم الحديث للمفهوم الماركسي الكلاسيكي للسببية والحتمية والحرية – الجزء الثاني

مفهوم العلم الحديث

****************

الحرية ؛ التفاعلية** لمستويات الأنبثاق بقلم كارل بوبر

 ترجمة الصوت الشيوعي

الخط الأسود المائل والعريض مع الخلفية البيضاء في هذه المخطوطة والمقتطفات التي تليها لكارل بوبر

التلوين باللون الأحمر مع الخط العريض والمائل في هذه المخطوطة والمقتطفات التي تليها من الصوت الشيوعي وليس من بوبر

ملاحظة للصوت الشيوعي: أن هذه المقطوعة الفلسفية لكارل بوبر تتضمن سردا تأريخيا لتطور الأفكار الفلسفية حول المسألة وصولا في الختام الى وجهة النظر العلمية الحديثة الحالية

النظرة “الطبيعية” للكون تبدو لا قدرية : العالم هو نتاج ، من عمل الآلهة ، او الأله ؛ عن قصد ؛ من عمل آلهة متحكمة للغاية ؛ كما جاء عند هوميروس. فخالق الكون المادي عند افلاطون هو حرفي ؛ وهذا الفرض ظل مقبولا في نظرية ارسطو عن المحرك(بكسر الراء) غير المحرك(بفتح الراء). ووجهة نظر ارسطو لا تزال غير قدرية من هذه الناحية ؛ وهذا مهم على وجه الخصوص لانه وظع نظرية للأسباب. لكن السبب الأكثر أهمية عنده كان السبب النهائي. فهو غرض يحرك العالم ؛ يحعله يتحرك قريبا الى هدفه ، الى نهايته ، الى “كماله” ؛ ويجعل الكون أفضل. هذا يوضح أن السبب النهائي الذي فكر به ارسطو لايمكن وصفهه بسبب “قدري” من ناحيتنا. أنها “روح” ، اما روح حيوانية او بشرية او سبب حكمة إلهية ، وهي أساس الحركة. فقط حركة الآلهة تكون حرة ورشيدة كليا. احداث العلم الدنيوي تتأثر لكن لا تحدد كليا بالتغيرات الحرة للأوان ، لكنها تخضع أيضا لأسباب نهائية أخرى ؛ ولا يوجد ما يدعو للقول بأمكانية جمعها كليا بقوانين ثابتة غير متغيرة ، او على الأقل بقوانين ميكانيكية. فالسبب عند ارسطو ليس ميكانيكي ، والمستقبل غير محدد (أي مقدر – ملاحظة الصوت الشيوعي) كليا بقوانين

مؤسس القدرية ، ليوسيباص و ديمقراط ، هم أنفسهم من أوجد الذرية والمادية الميكانيكية. قال ليوسيباص : “لا شيء يحدث بصورة عشوائية او بدون سبب ؛ بل كل شيء يحدث بموجب سبب ، وضرورة”. الزمن ، عند ديمقراط ليس دوري بل لا نهائي ، والعوالم تأتي الى الوجود وتضمحل على الدوام بصورة أبدية : “أسباب الأشياء ….. ليس لها بداية ، وهي كل الأشياء التي وجدت في الماضي ، والموجودة الآن ، والتي ستظهر في المستقبل”. وديوجينيس لايرتاص ذكر عن تعاليم ديمقراط “كل الأشياء تحدث بموجب ضرورة ؛ لأن الدوران هو سبب نشوء كل الأشياء ، وهذا ما دعاه بالضرورة”. لقد اشتكى ارسطو بأن ديمقراط لم يعرف سبب نهائيا : “لقد أغفل ديمقراط السبب النهائي وبذلك عزى كل عمليات الطبيعة الى الضرورة”. واشتكى ارسطو في ما بعد من أنه بموجب ديمقراط (والذي كما يبدو من معنى كلامه) أن سماواتنا وكل عوالمنا تحكم بالصدفة (وليس فقط بالضرورة) ، لكن “الصدفة” هنا لا يبدو أنها تعني العشوائية ، بل غياب الغرض ، غياب سبب نهائي

لقد نظر ديمقراط الى كل الأشياء على اعتبار انها تكونت من دوران الذرات : الذرات ترتطم ببعضها البعض ؛ تدفع بعضها بعضا على طول ، وتسحب بعضها بعض ايضا ، حيث أن بعضها يمتلك صنارات يستطيع من خلالها أن تتشابك وتشكل خيوط. لقد كانت وجهة النظر الذرية عن العالم ميكانيكية بصورة مطلقة. لكن هذا لم يمنع ديمقراط من أن يصبح فيلسوفا انساني كبيرا

لقد ظلت القدرية الميكانيكية هي النظرة السائدة للعلم الى أن تم كبحها في ايامنا. الأسماء العظيمة في الزمن المعاصر هي هوييس ، بريستلي ، لابلاس ، وحتى آينشتاين. (نيوتن كان استثناء). فقط في الميكانيك النسبي ، مع تفسير آينشتاين الأحتمالي لسعة موجات الضوء ، ومع تفسيرهيسنبيرج لصيغه غير القدرية ، وعلى الأخص مع تفسير ماكس بورن الأحتمالي للسعات الموجية لشرودنجر ، تصبح الفيزياء غير قدرية

من اجل مناقشة فكرة الحرية والقدرية ، قمت سنة 1965 باستخدام الاستعارة المجازية للغيوم و الساعات. بالنسبة للرجل العادي ، الغيمة غير متنبأ بسلوكها بدرجة كبيرة ، وبالفعل ، فانها غير محددة (أي أن سلوكها حر غير حتمي – ملاحظة الصوت الشيوعي): فتقلب الجو مضروب به المثل. على النقيض من ذلك ، الساعة متنبأ بسلوكها لحد كبير ، وبالفعل ، ساعة مضبوطة تعتبر نموذج للنظام المادي الجبري والميكانيكي

 آخذين في البداية الغيوم والساعات كنموذج للحرية والحتمية نستطيع صياغة وجهة النظر الحتمية مثل تلك التي نادت بها ذرية ديمقراط ، كما يأتي

كل الأنظمة الفيزيائية ، في الواقع ، ساعات

وهكذا كل العالم عبارة عن نظام رتيب من الذرات تدفع احداها الأخرى على طول مثل اسنان العجلة المسننة. حتى الغيوم هي اجزاء من نظام كوني رتيب ، وبرغم ذلك وبسبب صفات التعقيد و اللاتنبأية العملية للحركات الجزيئية في الغيوم ، فان هذه الأخيرة تخلق عندنا الوهم بأنها ليست ساعات ، بل غيوم غير حتمية

الميكانيك النسبي ، وخاصة في بالصيغة التي وضعها شرودنجر ، تمتلك شيء مهم لنقوله حول هذه المسألة. انها تقول ، فعلا ، أن الألكترونات تشكل غيمة حول نواة الذرة ، وأن مواضع وسرع الالكترونات ضمن هذه الغيمة غير محددة وبالتالي غير حتمية. وحديثا ، تم تشخيص الجسيمات تحت الذرية (أي الجسيمات التي تتكون الذرة منها-ملاحظة الصوت الشيوعي) على انها تراكيب معقدة بحد ذاتها ؛ وقد ناقش دايفد بوم (1957) امكانية وجود عدد لانهائي من هذه الطبقات المرتبة هرميا. اذا صح ذلك ، سيكون من المستحيل القول بأن الكون قدري بصورة كلية

 مع ذلك قد يكون هذا التفسير لنواة الذرة بوصفها نظام من جسيمات في حركة سريعة محاطة بغيمة من الألكترونات ، كافي لتدمير البديهية الذرية القديمة المتعلقة بالحتمية الميكانيكية. التفاعل بين الذرات وبين الجزيئات يمتلك جانبا عشوائيا ، جانب الصدفة ؛ “صدفة” ليس فقط بالمعنى الأرسطوطاليسي الذي يعتبر أن الصدفة نقيض لل “غرض” ، لكن صدفة من ناحية خضوعها لنظرية الأحتمالية الموضوعية للأحداث العشوائية ، اكثر من خضوعها لأي شيء آخر كقوانين الميكانيك مثلا

وهكذا فأن الفكرة القائلة بأن كل الأنظمة الفيزيائية بما في ذلك الغيوم هي ، في حقيقة الأمر ، ساعات ،  أصبحت خاطئة. فبموجب الميكانيك النسبي ينبغي أن نستبدل هذا المفهوم بآخر مناقض ، وكما يلي

كل الأنظمة الفيزيائية ، بما في ذلك الساعات ، هي ، في واقع الأمر ، غيوم

فالميكانيك القديم يستحيل الى وهم ، ناشيء من حقيقة أن الأنظمة الثقيلة بصورة كافية (أنظمة تتكون من بضعة آلاف من الذرات ، مثل الجزيئات العضوية الكبيرة ، والأنظمة الأثقل) تتفاعل بصورة تقريبية بموجب قوانين النظام الرتيب للميكانيك الكلاسيكي ، بشرط أن لا تتفاعل مع بعضها كيميائيا. أنظمة البلورات – الأجسام الفيزيائية الصلبة التي للأدوات المألوفة التي نستطيع الأمساك بها مثل الساعات اليدوية والساعات الكبيرة ، والتي تشكل الأثاث الرئيسي لبيئتنا – تسلك بصورة تقريبية (لكن فقط بصورة تقريبية) مثل أنظمة الميكانيك الجبري. هذه الحقيقة ، في الواقع ، هي مصدر اوهامنا القدرية والميكانيكية

كل عجلة مسننة في ساعاتنا اليدوية هي تركيب مكون من بلورات ، شبكة من الجزيئات يحمل بعضها بعض ، مثل الذرات في الجزيئات ، بواسطة قوى كهربائية. أن ذلك غريب ، لكنه الحقيقة ، فالكهربائية هي التي تشكل أساس قوانين الميكانيك. علاوة على ذلك ، كل ذرة وكل جزيئة تتذبذب ، بسعات اعتمادا على درجة الحرارة (او العكس بالعكس) ؛ ولو أن العجلة المسننة أكتسبت حرارة ، فأن هذا النظام الرتيب سيتوقف بسبب تمدد العجلات. (ولو أنها أكتسبت قدرا أكثر من الحرارة ستذوب

أن التفاعل بين الحرارة والساعة مثير جدا. فمن ناحية نستطيع أن نعتبر حرارة الساعة على أنها معدل سرعة ذراتها وجزيئآتها المتذبذبة. ومن ناحية أخرى ، نستطيع تسخين او تبريد الساعة بواسطة وظعها بتماس مع محيط حار او بارد. بموجب النظرية الحالية تنتج الحرارة من حركة الذرات المنفردة ، وفي نفس الوقت أنها شيء ما على مستوى مختلف عن مستوى ذرات منفردة في حالة حركة – مستوى شمولي او منبثق – لانه (أي الحرارة – ملاحظة الصوت الشيوعي) يعرف كمعدل السرعة لكل الذرات

الحرارة تتصرف بصورة شبيهة جدا بسائل (“سعري”) ، ونستطيع توضيح قوانين هذا السلوك من خلال الأحتكام الى الطريق الذي من خلاله تنتشر الزيادة او النقصان في سرعة ذرة – او مجموعة من الذرات – الى الذرات المجاورة. هذا التوضيح يمكن وصفه ب “أختزال”. انه يختزل الصفات الشمولية للحرارة الى صفات الحركة التي تمتلكها الذرات او الجزيئات المجاورة. لكن رغم هذا يظل هذا الأختزال غير كامل ؛ لأن الأفكار الجديدة يجب أن تستخدم – أفكارالأختلال الجزيئي والمتوسط ؛ وهذه ، بالفعل ، أفكار على مستوى شمولي جديد – لاحظ هامش 5

المستويات (أي الفئآت – ملاحظة الصوت الشيوعي) يمكن أن تتفاعل** مع بعضها. (هذه فكرة مهمة لتفاعلية** العقل والدماغ.) على سبيل المثال ، ليس فقط حركة كل ذرة مفردة تؤثر على حركات الذرات المجاورة ؛ لكن أيضا معدل السرعة لمجموعة الذرات تؤثر على معدل السرعة لمجموعات الذرات المجاورة. أنها بذلك تؤثر (ومن هنا يأتي تفاعل** المستويات ، بما في ذلك “السببية النازلة”) على سرع ذرات مفردة عديدة في المجموعة. أي الذرات المفردة تقوم بذلك فهذا ما لا نستطيع تحديده من دون تحري تفاصيل المستوى الأوطأ

يبدو لي هذا مثال آخر على مبدأ عام وهو أن المستوى الأعلى قد يحدث تأثيرا سائدا على مستوى اوطأ

السيادة ذات الأتجاه الواحد تنتج ، في هذه الحالة على الأقل ، من الصفة العشوائية لحركة الحرارة التي تمتلكها لذرات ، ولهذا السبب ، على ما أضن ، فانها تنتج من خاصية الشبه بالغيمة التي تمتلكها البلورة. من ذلك يبدو أن ، لو أن الكون نظام رتيب قدري بصورة صارمة وهذا فرض مستحيل ، لما كان عندها للحرارة أن تتولد ولا للفئآت أن تكون وبذلك ما كان ليحصل مثل هذا التأثير السائد

هذا يقترح أن الأنبثاق للمستويات او الفئآت الهرمية ، والتفاعل** بينها ، يعتمد على الحرية الأساسية للكون الفيزيائي. كل مستوي ينفتح لتأثير سببي يأتي من مستويات اوطأ و أعلى

هذا يحمل بالطبع أهمية كبيرة لمسألة العلاقة بين الجسم والعقل ، والتفاعل بين العالم رقم (1) (الدماغ – ملاحظة الصوت الشيوعي) والعالم رقم (2) العقلي

—————–

الهامش **) العلم يفهم العلاقة بين المستويات (أي الفئآت) على أنها علاقة تحول وليس تفاعل كما يفهمها كارل بوبر وقد نوهنا عن ذلك في مقالات سابقة. راجع مقالة النظرية المادية الحديثة (الحالية) للوعي – نظرية التحول الأحادي ، وقد قمنا في مقالات سابقة بأستبدال كلمة تفاعل وتفاعلية بتحول وتحولية على التوالي ونوهنا عن ذلك كل في موضعه لكننا ارتأينا هنا الأحتفاض بأصل العبارة كما هي مع التنويه عنها بهذا الهامش اينما وردت – ملاحظة الصوت الشيوعي

هامش 5 لكارل بوبر) المسألة في ما اذا كان القانون الثاني للثرموداينمك (الأحتمالية) مختزل بصورة كاملة الى تفاعل الذرات او الجزيئات المنفردة. جوابي على ذلك : الأستنتاجات الأحتمالية تحتاج لأشتقاقها الى مقدمات منطقية احتمالية وبالتالي غير انفرادية

تم حذف كافة هوامش كارل بوبر من المخطوطة اعلاه بالنظر لعدم اهميتها في ما عدى الهامش 5 – ملاحظة الصوت الشيوعي

تم نسخ وترجمة هذه المخطوطة الفلسفية من كتاب النفس ودماغها لكارل بوبر وجون أكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج و كيغان باول ، لندن ، بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983 ، ص 32-35

**********************************

مقتطفات من مخطوطة “الأنبثاق وانتقاداته” لكارل بوبر من كتاب لنفس ودماغها لكارل بوبر وجون أكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج و كيغان باول ، لندن ، بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983

الصياغة الأكثر شهرة لوجهة النظر القدرية وضعت من قبل لابلاس : “يتعين علينا …….. أن نعتبر الحالة الحاضرة للكون نتيجة لحالته السابقة و المسبب لحالته المستقبلية. افترض …… أن شخص ذكي يعرف كل القوى التي بواسطتها تتحرك الطبيعة ، ويعرف كل حالات الأشياء التي تواجهه في لحظة ؛ ……. فانه (هذا الذكي) ، لاشيء سيكون غير أكيد بالنسبة اليه ، والمستقبل ، كالماضي ، سيكون مكشوف لعينيه (يرجى ملاحظة هذا التعبير الأخير المتعلق بالمستقبل ومقارنته بما سيرد عن تفسير علم الباراسيكولوجي في نهاية هذا الجزء من المقالة – ملاحظة الصوت الشيوعي). اذا قبلنا قدرية لابلاس ، عندها لا يمكن أن يوجد شيء مهما كان غير محدد (أي حر – ملاحظة الصوت الشيوعي) من حيث المبدأ

كان الأقتباس اعلاه للابلاس من مقدمة مقولته الفلسفية عن الأحتمالية. انها تظهر أن نظرية الأحتمالية – كما يرى لابلاس – تتعلق بأحداث لا يمتلك عنها معرفة ذاتية كافية ، وليس باحداث حرة (غير محددة) او مثل الصدفة : فهذه لا وجود لها

المصدر السابق ص 22

 أن الدراسة القدرية مقنعة على نحو مقبول من الناحية الحدسية – في ما لو اهملنا حركاتنا الأرادية (لاحظ مقالة منشأ الحركات الأرادية وهدم نظرية بافلوف في الارتباط الشرطي لتفسير الأرادة – ملاحظة الصوت الشيوعي) – وفي ما لو ظلت الذرات اجسام صلبة غير قابلة للأنقسام للأنقسام (على الرغم من أن ابيقور قد وضع نظرية ذرية غير قدرية. لكن ادخال الذرات المركبة ، والجسيمات تحت الذرية مثل الألكترونات ، يقترح امكانية اخرى : فكرة أن الأرتطام الذري والجزيئي قد لا يكون ذا صفة قدرية. هذا الفرض يبدو أنه طرح للمرة الأولى في أيامنا من قبل جارلس ساندرس بيرس ، الذي أكد على أننا ينبغي أن نفترض وجود صدفة موضوعية لكي نفهم تنوع الكون ، وكذلك طرحت هذه الفكرة من قبل فرانز أكسنر. ……. الفيزياء الحديثة تفترض أن هناك احداث مماثلة للصدفة بصورة موضوعية ، وأن هناك احتمالات و ميول موضوعية

المصدر السابق ص 22-23

أن النظرية الذرية الجديدة – الميكانيك النسبي – قد تخلت عن الحتمية الصارمة. فقد أغنت هذه النظرية الفيزياء من خلال تقديم مقولات الأحتمالات الموضوعية الى نظرية الذرات والجسيمات الأولية. وكنتيجة لذلك ، يتعين علينا التخلي عن جبرية لابلاس. حقا ، أن كثير من المقولات السببية الصارمة للفيزياء الكلاسيكية حول الأشياء ذات الحجم المنظور للعين المجردة قد تم اعادة تفسيرها بوصفها مقولات احتمالية تؤكد احتمالات قريبة من 1. كنتيجة لذلك استبدل التفسير السببي جزئيا على الأقل بتفسير احتمالي

المصدر السابق ص 24-25

الأحتمالية اصبحت مهمة في النظرية الفيزيائية وبصورة رئيسية مع النظرية الجزيئية للحرارة والغازات و ، في القرن العشرين ، مع النظرية الذرية

اول الأمر ، فسر الدور الذي لعبته الأحتمالية في الفيزياء بصورة وهمية ، استنادا لتفسير لابلاس. فقد فرض أن كل الأحداث الفيزيائية محددة قدريا من الناحية الموضوعية. ان النقص الذاتي في معارفنا عن السرع والمواضع المضبوطة للجزيئات او الذرات او الجسيمات الأولية هو الذي يجعلنا نفضل استعمال الأساليب القدرية الصارمة (لاحظ أن ذلك هو عكس فكرة لابلاس حول نظرية الأحتمالية تماما ذلك أن لابلاس يعتبر هذه النظرية تتعلق باحداث لا يمتلك معرفة ذاتية كافية عنها – لاحظ المقتطف الأول في اعلاه – ملاحظة الصوت الشيوعي . لقد ظل الفيزيائيون لفترة طويلة من الزمن ملتصقين بهذا التفسير الوهمي للأحتمالية. آينشتاين نفسه التسق به (انظر رسالة آينشتاين الي وتعليقي على الفقرة الثالثة منها) ؛ وهيسنبيرج مال الى هذا التفسير ايضا ؛ وحتى ماكس بورن ، واضع التفسير الأحصائي للميكانيك الموجي ، يبدو انه تبنى هذا التفسير في بعض الأحيان. لكن ، مع اعلان راذرفورد و سودي (1902) لقانونهما الشهير للأنحلال الأشعاعي ، ظهر تفسير بديل : الأنوية الذرية المشعة تنشطر تلقائيا” : أي أن كل نواة ذرية لها نزوع او ميل للأنحلال ، اعتمادا على تركيبها. هذا النزوع او الميل يمكن قياسه من خلال “عمر النصف” ، وهو صفة ثابتة لتركيب النواة المشعة. انه مقدار الزمن اللازم لنصف المقدار لأي عدد معطى من الأنوية (لتركيب معطى) لتنحل. الثبات الموضوعي لعمر النصف ، واعتماده على التركيب الذري ، يبين أن الذرة تمتلك نزوع او ميل ثابت وموضوعي وممكن قياسه للأنحلال خلال أي وحدة للزمن ، ويعتمد هذا النزوع او الميل على تركيب الذرة – لاحظ هامش 4

يقودنا ذلك الى افتراض وجود احتمالات موضوعية او نزعات احتمالية في الفيزياء. بدون هذه الفكرة ، كما ارى ، سيكون من الصعب فهم الفيزياء الذرية الحديثة (الميكانيك النسبي). ……….(لقد ساندت من مدة طويلة الدراسة التي تقول أن الدور الغريب الذي يلعبه “الملاحظ” في بعض التفسيرات للميكانيك النسبي يمكن توضيحه على اساس اعتباره من رواسب التفسير الذاتي لنظرية الأحتمالية ، وكل هذا يمكن وينبغي أن يتم التخلي عنه

فهناك عدة اسباب تدل على أن النزعات الأحتمالية الموضوعية قد تكون المباديء العامة للأوضاع السببية ، والأوضاع السببية ليست سوى حالات خاصة من هذه النزعات. مع ذلك من المهم ادراك أن المقولات التي تؤكد احتماليات او نزعات غير ال 0 او 1 (أي التي لا ترقى الى مرتبة السببية – ملاحظة الصوت الشيوعي) لا يمكن أن تشتق من قوانين سببية من النوع القدري (معا مع الشروط الأولية) او من قوانين تؤكد بأن حدث من نوع معين يحصل بصورة دائمة في وضع معين. فالأستنتاج الأحتمالي يمكن اشتقاقه فقط من مقدمات منطقية احتمالية ؛ على سبيل المثال ؛ مقدمات منطقية حول نزعات متساوية. لكن من الممكن ، من ناحية اخرى ، اشتقاق مقولات تؤكد نزعات مساوية ل ، او تقترب من ، 0 او 1 – وبذلك تكون ذات صفات سببية – من مقدمات منطقية احتمالية نموذجية (أي أن السببية يمكن أن تكون مظهرا للصدفة لكن الصدفة لا يمكن أن تكون مظهرا للسببية وهذا عكس المفهوم الماركسي الكلاسيكي للصدفة والسببية والعلاقة بينهما – ملاحظة الصوت الشيوعي

بنتيجة ذلك ، نستطيع القول بأن مقولة نموذجية للنزوع ، مثل مقولة نزوع نواة معينة غير مستقرة الى الأنحلال ، لا يمكن أن تشتق من قانون عام (من نوع سببي) + الاوضاع الأولية

————-

هامش 4) قد يكون هذا اقوى برهان في تحبيذ ما اسميه “التفسير النزوعي للأحتمالية في الفيزياء”. النزوع هو قابلية مرجحة للشيء في وضع معين لأحتمال صفة او حالة معينة وكما أن مثال النويات المشعة يظهر ، أن النزعات قد تكون غير انعكاسية : قد تحدد اتجاه للزمن (عقرب الزمن). بعض النزعات ، مع ذلك ، قد تكون ايضا انعكاسية : معادلة شودنجر (وبالتالي الميكانيك النسبية) انعكاسية من ناحية الزمن ، ونزوع ذرة في حالة معينة س1 للأنتقال الى حالة س2 من خلال امتصاص فوتون بصورة عامة تساوي الى النزوع للأنتقال الأنعكاسي بواسطة اصدار فوتون

نفس المصدر السابق ص 25-26

*****************************

تفسير علم الباراسايكولوجي لظاهرة الأستدراك

حتى في علم الباراسايكولوجي عندما يريد أن يفسر ظاهرة الأستدراك (وهي قدرة الشخص على معرفة حدث مستقبلي لا يمكن تخمينه او استنتاجه بالوسائل العادية وذلك من خلال تكون خيالات فكرية لدى الشخص عن تفاصيل هذا الحدث)(1) ، حتى في هذه الظاهرة التي تبدو للوهلة الأولى كما لو انها دليل على أن الكون والأنسان مسير بصورة قدرية ، يعتمد العلم الحديث على مفهوم الحرية بأوسع معانيها حيث يقول(2) : أن كل ما نحتاجه قد يكون شيء ما اكثر شبه بكون متفرع مليء بالكثير من الأحتمالات المستقبلية الجائزة والمرتقبة. ومن ثم أي منها سيصبح واقع وحقيقة ، أي منها سيصبح الطريق الذي سيسلكه الكون عند أي ضرف معطى ، يعتمد على حصول او عدم حصول تدخل ما

(1) Benjamin B. Wolman: Hand book of parapsychology , Van Nostrand Reinhold Company , New York , page 930 (with modification)

(2) the same source , page 767 

****************************

خلاصة المفهوم العلمي الحديث

اولا) الكون بطبيعته لا سببي (حر) واللاسببية (الحرية) صفة اساسية وازلية وموضوعية للكون والمادة

ثانيا) الطبيعة الحرة (اللاسببية) للكون ناتجة من صفته العشوائية الأساسية والأزلية والموضوعية والمشتقة بدورها من السلوك الحر (التصادفي العشوائي) للكم (الفوتون) والذي يؤدي الى السلوك الحر للذرة

ثالثا) صفة الكون الأساسية والأزلية والموضوعية في العشوائية واللاسببية والحرية هي مصدر كل التفاعلات والتغيرات فيه فهي مصدر كل الحركة الكونية بكافة اشكالها

رابعا) السببية الظاهرة للعيان هي مجرد وهم وهي في حقيقتها مظهر للحرية ذلك أن

خامسا) السببية الظاهرة للعيان ليست سوى مظهر (حالة خاصة) للأحتمالية ، فهي مظهر (حالة خاصة) للعشوائية ، فهي مظهر (حالة خاصة) للسلوك الحر (التصادفي العشوائي) الأساسي للكون المشتق من السلوك الحر (التصادفي العشوائي) للكم أي الفوتون

دحض العلم الحديث للمفهوم الماركسي الكلاسيكي للسببية والحتمية والحرية – الجزء الاول

المفهوم الماركسي الكلاسيكي

اولا) مفهوم السببية

علم أنجلس

عندما نبحث من وجهة نظر العلوم الطبيعية الحديثة ، المادة في الحركة ككل ، فان الفعل المتبادل هو أول شيء يصادفنا. ونرى سلسلة من أشكال الحركة ، حركة كيميائية ، حرارة ، ضوءا ، كهرباء ، مغناطيسية ، اتحادا وتحليلا كيميائيين ، تحولات لحالات التجمع ، حياة عضوية تنتقل جميعا ، إذا لم نزل نستثني الحياة العضوية حاليا ، الواحدة منها إلى الاخرى ، واحداها تقرر الاخرى تقريرا متبادلا ، وهي علة في مكان ومعلول في مكان آخر ، ويبقى المجموع الاجمالي للحركة في أشكالها المتغيرة كافة هو نفسه ( قول سبينوزا ، الجوهر سببه ، يعبر عن الفعل المتبادل تعبيرا مدهشا ) لاحظ هامش 179 (هامش 179 : سبينوزا ، علم الأخلاق ، القسم الأول ، التعريفان 1 و 2 والنظرية 6). إن الحركة الميكانيكية تصبح متحولة إلى حرارة ، كهرباء ، مغناطيسية ، ضوء الخ. وبالعكس. وهكذا تؤيد العلوم الطبيعية ما قاله هيغل (أين؟ ) من أن الفعل المتبادل هو السبب النهائي الحقيقي للأشياء. ليس باستطاعتنا الرجوع إلى أبعد من المعرفة بهذا الفعل المتبادل لمجرد السبب بأن في الماضي لا يوجد شيء تجب معرفته. إذا عرفنا أشكال حركة المادة ( التي ما زال ينقصها الكثير جدا بعد ، نظرا لحداثة عهد العلوم الطبيعية بالوجود ) ، فسنعرف عندئذ المادة ذاتها. وبذلك تكتمل معرفتنا. (تقوم مخالفة غروف بأكملها حول السببية على حقيقية عدم نجاحه في التوصل إلى مقولة الفعل المتبادل ؛ كان لديه الشيء ، لا الفكر المجرد ، ومن هنا التشوش – ص ص : 10-14 ) ولا نصل إلى العلاقة السببية الحقيقية إلا من هذا الفعل المتبادل الشامل. وعلينا لفهم الظواهر المستقلة ، انتزاعها من الترابط الداخلي العام وبحثها منعزلة ، وعندها تظهر الحركات المتغيرة الواحدة منها علة والاخرى معلولا

فريدريك أنجلس ، جدلية الطبيعة ، الطبعة العربية ، منشورات دار الفن الحديث ، دمشق ، 1970 ، ترجمة محمد أسامة القوتلي ، السببية ، ص 325 – التلوين باللون الأحمر والخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي وليس من أنجلس. تم حذف المصطلحات الانكليزية والهامش 180

*******************************

ثانيا) الطبيعة الأزلية لقوانين حركة المادة

يقول أنجلس

إنها حلقة أبدية تنحرف المادة فيها ، حلقة لا تكمل بالتأكيد مدارها إلا في فترات زمنية ، ليست سنتنا الأرضية بقياس كاف لها ، حلقة فيها زمن أعلى تطور ، وهو زمن الحياة العضوية وأكثر من ذلك فيها زمن حياة الكائنات الواعية للطبيعة ولذواتها ، محدد تحديدا ضيقا تماما  كالفضاء الذي تتفاعل فيه الحياة والوعي الذاتي ؛ حلقة حيث كل شكل محدود لوجود المادة ، سواء أكان شمسا أو بخارا سديميا ، حيوانا فردا أو نوعا من الحيوانات ، أو تحليلا كيميائيا ، صائر إلى الزوال ، وإن لا شيء أبدي بل متغير أبديا ، وأن المادة المتحركة أبديا ، والقوانين تتحرك وتتغير تبعا لها. لكن مهما كان مكررا ومهما كان اكتمال هذه الحلقة في الزمان والمكان دون انقطاع ؛ ومهما قد تنشأ وتضمحل ملايين عديدة من الشموس والأرضين ، ومهما قد يطول بقائها ، قبل أن تتطور في منظومة شمسية واحدة وعلى كوكب سيار واحد فقط ، الشروط للحياة العضوية ؛ ومهما كانت المخلوقات العضوية عديدة ، وهي التي يجب أيضا أن تنشأ وتموت قبل أن تكون الحيوانات المتمتعة بدماغ قادرة على التفكير قد تطورت من صلبها ، لتجد ولفترة قصيرة من الزمن شروطا صالحة للحياة ، فقط لكي تبيد فيما بعد دون رحمة – فنحن على ثقة أن المادة تبقى كما هي أبديا في جميع استحالاتها ، وإن لا شيء من خواصها يمكن أن يضيع البتة ، ولذلك ، أيضا ، فبنفس الضرورة القاسية ستبيد من سطح الأرض أرفع مخلوقاتها ، العقل المفكر ، وعليها أن تعيد إنتاجه في مكان وزمان آخرين

نفس المصدر السابق ، ص 56-57 – التلوين باللون الأحمر والخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي وليس من أنجلس – تم حذف المصطلحات الانكليزية

ويقول أنجلس

وفي الواقع فجميع المعرفة الشاملة الحقيقية تكمن كلية في الارتقاء بالشيء الفردي في الفكر من الفردية إلى الخصوصية ، ومن ثم هذه إلى العمومية……….نحن نعلم أن الكلور والهيدروجين ، ضمن حدود معينة من الحرارة والضغط ، وتحت تأثير الضوء ، يتحدان بانفجار ليشكلا غاز حمض كلور الماء ، وما أن نعرف هذا ، حتى نعرف أيضا أن ذلك يحدث أنى كان وفي الأوقات جميعا ، حيثما تكون الشروط المتقدمة متوفرة ، وسواء أحدث هذا مرة أم تكرر مليون مرة ، أو فوق أي عدد من الأجرام السماوية حدث ، فسيكون أمرا عديم الأهمية. وشكل العمومية في الطبيعة قانون ، ولا أحد يتكلم عن الصفة الأزلية لقوانين الطبيعة أكثر من العلماء الطبيعيين

نفس المصدر السابق ، ص 328

*************************

ثالثا) موضوعية قوانين الطبيعة

يقول أنجلس

ففي القول إننا لا نعرف ما الزمان وما المكان ، وما المادة وما الحركة وما العلة وما المعلول ، يعبر ناغيلي فحسب عن أننا نقوم أول الأمر بتجريدات بواسطة عقولنا ، للعالم الحقيقي ، ثم لا نقدر على معرفة هذه التجريدات بواسطة عقولنا ، للعالم الحقيقي ، ثم لا نقدر على معرفة هذه التجريدات التي صنعها لأنها من ابداع الفكر وليست موادا محسوسة ، في حين أن المعرفة جميعا قياس حسي

نفس المصدر السابق ، ص 331 – تم حذف المصطلحات الانكليزية

*************************

رابعا) الحتمية والحرية

علم أنجلس

لقد كان هيغل سباقا الى تقرير العلاقة بين الحرية والضرورة بصورة صحيحة. فعنده ان الحرية هي تقدير الضرورة حق قدرها. (( ان الضرورة لاتكون عمياء إلا بقدر ما لا تكون مفهومة . )) فالحرية لا تستقيم في حلم الاستقلال عن القوانين الطبيعية ، بل في معرفة هذه القوانين ، وفيما تمنحه هذه المعرفة من إمكانية تشغيل تلك القوانين ، بصورة منهجية ، في اتجاه أهداف محددة. وإن هذا لينطبق سواء على قوانين الطبيعة الخارجية أم على القوانين التي تسير الوجود الجسماني والذهني للبشر أنفسهم – وهما صنفان من القوانين يمكننا على الأكثر أن نفصلهما عن بعضهما بعضا في الفكر لكن ليس في الواقع. وهكذا فإن حرية الارادة لا تعني أكثر من القدرة على اتخاذ القراراتبعد الاطلاع على حقيقة الأمر. وبالتالي فإنه بقدر ما تكون محاكمة الانسان بشأن مسألة معينة أكثر حرية ، فإن الضرورة التي سيتحدد بها مضمون هذه المحاكمة تكون أعظم ، في حين أن التردد القائم على الجهل ، هذا التردد الذي يبدو أنه يقوم باختيار اعتباطي بين قرارات عديدة مختلفة متنازعة ، يفصح من جراء هذا الواقع بالضبط عن انعدام حريته ، وعن اذعانه بالضبط لذلك الشيء الذي ينبغي له أن يسيطر عليه. وهكذا فإن الحرية تستقيم في السيطرة على ذواتنا وعلى الطبيعة الخارجية ، وهي سيطرة مؤسسة على “معرفة الضرورة” الطبيعية ، وهي اذن نتاج بالضرورة للتطور التاريخي. ان البشر الأولين الذين انفصلوا عن المملكة الحيوانية قد كانوا في سائر الشؤون الجوهرية منعدمي الحرية بقدر الحيوانات نفسها ، لكن كل خطوة الى الامام في ميدان الحضارة قد كانت خطوة الى الامام في اتجاه الحرية. وإنه لينهض على عتبة التاريخ الانساني اكتشاف إمكانية تحويل الحركة الميكانيكية الى حرارة : ذلك هو إنتاج النار بواسطة الاحتكاك ؛ وإنه لينهض عند ختام التطور الذي اجتازه الانسان حتى الآن اكتشاف إمكانية تحويل الحرارة الى حركة ميكانيكية : ذلك هو المحرك البخاري

وعلى الرغم مما تحققه الآلة البخارية في العالم الاجتماعي من ثورة تحريرية عملاقة – وهي الثورة التي لم تكتمل بصورة نصفية بعد – فإنه مما لا شك فيه على الاطلاق أن توليد النار من الاحتكاك قد كان له أثر أعظم من ذلك في تحرير الجنس البشري. ذلك أن توليد النار من الاحتكاك قد وهب الانسان للمرة الاولى السيطرة على إحدى قوى الطبيعة ، وبذلك فصله بصورة حاسمة عن المملكة الحيوانية. ولن تستطيع الآلة البخارية قط أن تحقق مثل هذه القفزة الجبارة إلى الأمام في التطور الانساني ، مهما كان شأنها في أنتظارنا على اعتبارها تمثل جميع تلك القوى المنتجة الهائلة التابعة لها – وهي القوى الوحيدة التي تجعل من الممكن قيام أوضاع اجتماعية تنعدم فيها المفارقات الطبقية أو القلق بخصوص وسائط المعيشة الفردية ، وحيث يمكن أن يجري الحديث للمرة الأولى عن الحرية الانسانية ، وعن الحياة في انسجام مع القوانين الطبيعية التي أصبحت معروفة

فردريك أنجلس ، الإنتي دوهرينغ ، الطبعة العربية ، دار دمشق للطباعة والنشر ، ترجمة الدكتور فؤاد أيوب ، الطبعة الاولى ، 1965 ، الأخلاق والشريعة / الحرية والضرورة ، ص137-138 – التلوين باللون الأحمر والخط المائل والعريض والحصر ب ” “ من الصوت الشيوعي وليس من أنجلس

************************

خامسا) الصدفة والضرورة

علم أنجلس

تعارض آخر وقعت الماورائية فيه ، هو تعارض الصدفة والضرورة. أي شيء يمكن ان يكون أشد تناقضا من هاتين الحتميتين الفكريتين؟ كيف يمكن أن تكون كلتاهما مطابقتين. أن يكون العرضي ضروريا والضروري عرضيا أيضا؟ إن الفطرة السليمة ومعها غالبية العلماء الطبيعيين ، تعتبر الضرورة والصدفة حتميتين منغلقتين عن بعضهما نهائيا. الشيء ، الظروف ، العملية إما أن تكون عرضية أو ضرورية ولكن ليس الأمرين معا. لذا فهما موجودان في الطبيعة جنبا إلى جنب ؛ الطبيعة تضم كل ضروب الأشياء والعمليات البعض منها عرضي والبعض الآخر ضروري ، والمسألة فقط مسألة عدم خلط النوعين واحدهما بالآخر. هكذا اتخذ الواحد مثلا الصفات المحددة الحاسمة ليكون ضروريا ، واصطلح على كون اختلافات اخرى بين فردين من النوع نفسه ، عرضية ، وهذا يصح على البلورات مثلما يصح على النباتات والحيوانات. بعد ذلك تصبح المجموعة الأدنى أيضا عرضية بالنسبة للمجموعة الاعلى ، بحيث يعلن عن كونها قضية صدفة ، كم عدد الأنواع المختلفة متضمن في جنس الفليس أو الاكووس ، أو كم عدد الأجناس والطبقات في الفئة ، وكم عدد أفراد كل واحدة من هذه الأنواع ، أو كم عدد الأنواع ، أو كم عدد الأنواع المختلفة للحيوانات في إقليم معين ، أو ما هو شكل الحياة الحيوانية والنباتية لمنطقة ما بصورة عامة. وبعد ذلك يعلن أن الضروري هو الشيء الوحيد الذي يستحوذ على الاهتمام العلمي ، وأن العرضي أمر غير هام للعلم. أي أن ما يمكن إخضاعه للقوانين ، وإذن ما يعرفه المرء ، هو الهام ؛ وما لا يمكن إخضاعة للقوانين ، وإذن ما لا يعرفه المرء قضية غير ذات أهمية ويمكن تجاهلها. وبهذا تنتهي العلوم جميعا لأن عليها بالتحديد استقصاء ذلك الذي لا نعرف ، أي : أن ما يمكن إخضاعه لقوانين عامة يعتبر ضروريا ، وما لا يمكن اخضاعه يعتبر عرضيا. ويستطيع أي كان أن يرى أن هذا هو نفس ذلك النوع من العلم الذي يعد طبيعيا ما يقدر على تفسيره ، ويعزو إلى أسباب خارقة ما ليس في وسعه أن يفسره ، وسواء دعوت سبب ما لا يمكن تفسيره صدفة أو دعوته الله ، فالأمر عديم الأهمية تماما بقدر تعلق الأمر بالشيء نفسه. كلاهما مرادفان فقط ل : أنا لا أعرف ، وإذن لا يمتان بصلة إلى العلم. يتوقف العلم حيث العلاقة السببية الأساسية مفقودة

في معارضة هذا الرأي. هناك الحتمية التي انتقلت من المادية الفرنسية إلى العلوم الطبيعية والتي تحاول الخلاص من الصدفة بانكارها كلية. استنادا إلى هذا المفهوم لا يسود في الطبيعة إلا الضرورة المباشرة البسيطة. وأن جراب بازلاء خاص يضم خمسة حبات وليس أربع حبات أو ست حبات ، وأن ذيل كلب معين يبلغ طوله خمسة إنشات لا أطول قيد أنملة ولا أقصر ، وأن هذا العام ألقحت زهرة برسيم معينة من قبل نحلة وزهرة أخرى لم تلقح ، وألقحت في الواقع من قبل نحلة واحدة معينة بالتحديد ، وفي وقت معين ، وأن بزرة هندباء ذرتها الريح قد أشطأت ((أشطأ الشجر والنبات : أخرج شطأه ، وهو ما ينبت حواليه ……… – المترجم)) وأخرى لم تشطأ ، وأن برغوثا لسعني في الرابعة صباحا لا الثالثة أو الخامسة ، في كتفي الأيمن وليس في ربلة الساق اليسرى – تلك جميعا حقائق ولدتها سلسلة لا تتبدل من العلة والمعلول ، ولدتها ضرورة لا تنثني من تلك الطبيعة في الواقع التي عندما تكونت الكرة الغازية ، التي نشأت المنظومة الشمسية عنها ، كان على هذه الحوادث أن تجري على هذا النحو وليس على نحو آخر. بهذا النوع من الضرورة نحن أيضا لا نتخلص من المفهوم اللاهوتي للطبيعة. وسواء أطلقنا عليها ، مع أغسطين وكالفين ، اسم حكم الاله الأزلي ، أو قسمت (لاحظ هامش 164) = (هامش 164 : قسمت ، يقصد بها في الاستعمال الاسلامي ، التركي منه خاصة ، المصير أو القدر) ، كما يسميها الأتراك ، أو أسميناها ضرورة ، فجميعها سواء بالنسبة للعلم تقريبا. فلا سبيل لتتبع سلسلة التسبيب في أي من هذه الحالات ؛ لذلك فنحن مصيبون بواحدة كما نحن مصيبون بأخرى تماما ، وتظل ما تدعى ضرورة عبارة فارغة ، ومعها تبقى الصدفة أيضا على ما كانت عليه قبلا. وطالما بقينا عاجزين عن أن نبين علام يعتمد عدد حبات البازلاء في الجراب ، فستبقى مجرد مسألة صدفة. والتأكيد بأن القضية حسب حسابها سابقا خلال التركيب البدائي للمنظومة الشمسية لا يقودنا خطوة واحدة أبعد. جراب البازلاء الفرد هذا ، في سلسلته السببية ، لن يكون علما ، بل محض عبث ؛ إذ إن الجراب البازلاء وحده هذا بالاضافة إلى ذلك ، عددا لا يحصى من الصفات الفردية الأخرى العريضة الظهور : ظل لون الجراب و كثافته وقساوته ، وحجم حبات البازلاء ، دون أن نتكلم عن المزايا الفردية التي يكتشفها المجهر. لذا فجراب البازلاء الواحد يستطيع الآن أن يوفر علاقات سببية للمتابعة أكثر مما يقدر جميع علماء النبات في العالم على حلها

لهذا فالصدفة لا تفسر هنا من قبل الضرورة ، بل على الأصح الضرورة تنحدر إلى توليد ما هو مجرد عرضي. إذا كانت حقيقية أن جراب بازلاء معين يضم ست حبات بازلاء وليس خمسا أو سبعا ، من نفس مرتبة قانون حركة المنظومة الشمسية ، أو قانون تحول القدرة ، فالواقع عندها أن الصدفة لا ترتقي الى الضرورة ، بل الضرورة ، على الأصح ، تنحدر إلى الصدفة. إضافة إلى ذلك فالأنواع العضوية واللاعضوية والافراد الموجودون في منطقة معينة جنبا إلى جنب ، مهما بلغ تنوعها ، يمكن تأكيد قيامها على ضرورة يتعذر إنكارها ، وبالنسبة للأنواع والأفراد المستقلين تبقى المسألة كما كانت قبلا ، مسالة صدفة. بالنسبة للحيوان الفرد إنها مسألة صدفة ، أين حدث أن ولد ، وأية بيئة للعيش وجد ، وأية حيوانات تهدده وما هو عددها. وهي قضية صدفة بالنسبة للنبتة الام ، أنى تبعثر الريح بزورها ، وكذلك بالنسبة للنبتة الفرع ، أين تجد البزرة التربة لتنبت ؛ والتأكيد لنا بأن كل شيء هنا أيضا على ضرورة لا سبيل لنكرانها ، ترضية واهية. إن خلط المواد الطبيعية معا في إقليم معين ، وأكثر من ذلك ، في العالم بأسره ، من أجل جميع الحتمية البدائية منذ الأزل ، يظل كما كان في السابق – مسألة صدفة

وفي مقابل كلا المفهومين ظهر هيغل بالافتراضات التي لم تكن معروفة أبدا حتى ذلك الحين ، بأن للعرضي سببا لأنه عرضي ، وبنفس المقدار تماما أيضا ، لا سبب له لأنه عرضي ؛ وبأن العرضي ضروري ، وبأن الضرورة تقرر ذاتها كصدفة ، وأن هذه الصدفة هي بالأحرى ضرورة مطلقة من الناحية الأخرى. ( المنطق ، المجلد الثاني ، الكتاب الثالث ، الفصل الثاني : الحقيقة ). لقد أهملت العلوم الطبيعية تماما هذه الافتراضات بأعتبارها عبثا ظاهري التناقض ، وهراء يناقض نفسه ، وفي ما يتعلق بالجانب النظري ، بقيت من ناحية في غثاثة فكر ما وراء طبيعة وولف (كريستيان وولف 1679-1754 فيلسوف مثالي وماورائي – المترجم) ، التي إما أن يكون الشيء ، استنادا إليها ، عرضيا ، أو ضروريا ، ولكن ليس الاثنين معا في الوقت نفسه ؛ أو بقيت من الناحية الأخرى ، في الحتمية الآلية التي يصعب أن تكون أقل فراغا ، والتي بالاختصار تنكر الصدفة عموما ، ولكن لتعترف بها عمليا في كل حالة خاصة

ماذا فعلت بشخص داروين العلوم الطبيعية التي استمرت تفكر بهذه الطريقة؟

لقد انطلق داروين في مؤلفه الخلاق(لاحظ هامش 165)=(هامش 165 : يشير هذا الى كتاب داروين ، أصل الأنواع بواسطة الاصطفاء الطبيعي (1859)) من أوسع أساس موجود للصدفة. وبالتحديد فإن الاختلافات العرضية اللامتناهية بين الافراد داخل النوع الواحد ، الاختلافات التي أضحت ملحة حتى تخطت طبيعة النوع ، والتي لا يمكن أن تتوضح حتى أسبابها المباشرة إلا في حالات نادرة جدا ، أرغمته على الشك في الأساس السالف لجميع القياسية في علم الحياة ، أي مفهوم الأنواع في تصلبه الماورائي السابق ولا تبدليته. لكن العلم جميعه لم يكن شيئا دون مفهوم الأنواع. فقد احتاجت فروعه كافة إلى مفهوم الأنواع كأساس : ماذا كان التشريح البشري والتشريح المقارن – علم الأجنة ، علم الحيوان ، علم المستحثات ، علم النبات الخ. ، بدون مفهوم الأنواع؟ إن نتائجها جميعا لم توضع موضع شك فحسب ، بل وضعت جانبا على الفور. الصدفة أسقطت الضرورة ، كما فهمت حتى الآن(في هامش المخطوطة الملاحظة : “إن المادة حول أشكال حدوث الصدفة التي تراكمت في هذا الوقت ، وضعت حدا للفكرة القديمة للضرورة وحطمتها” – المحقق). وتهاوت الفكرة السابقة للضرورة. إن الاحتفاض بها يعني أن نفترض على الطبيعة فرضا استبداديا كقانون ، حتمية بشرية اعتباطية تتناقض مع نفسها ومع الحقيقة ، إنه يعني بصورة عامة ، اعلان مملكة الصدفة المضطربة قانونا وحيدا للطبيعة الحية. وقد صاح علماء الحياة من جميع المدارس صيحة منطقية جدا ، ((تاوزفيس جونتوف لم يعد يساوي شيء

داروين(قارن الطبعة الانكليزية من هذا الكتاب ص : 311 – المحقق)

فريدريك أنجلس ، جدلية الطبيعة ، الطبعة العربية ، منشورات دار الفن الحديث ، دمشق ، 1970 ، ترجمة محمد أسامة القوتلي ، الصدفة والضرورة ، ص 304-309 – التلوين باللون الأحمر والخط المائل والعريض من الصوت الشيوعي وليس من أنجلس. تم حذف المصطلحات الانكليزية والهامش 166

*******************************

خلاصة المفهوم الماركسي الكلاسيكي

اولا) الكون بطبيعته سببي والسببية صفة اساسية وازلية وموضوعية للكون والمادة

 ثانيا) تعتبر الفلسفة الماركسية الكلاسيكية (المادية) – شأنها في ذلك شأن الفلسفة الديالكتيكية الهيكلية (المثالية) – أن السبب النهائي هو علة الكون وسبب وجوده أي أن الصفة السببية (الأساسية) للكون هي علة (سبب) وجوده الأزلي

ثالثا) قوانين الطبيعة ازلية وموضوعية

رابعا) الحرية لا تتعارض مع الحتمية ذلك انها – أي الحرية – ليست سوى وعي السببية ، فهي لا تتأتى إلا من خلال معرفتنا بقوانين الطبيعة – معرفتنا بالأسباب – وبالتالي فان الحرية تشتق من السببية ،فلا تناقض بينهما

خامسا) الصدفة لا تتعارض مع الحتمية لأن الصدفة ليست سوى حالة خاصة (مظهر) للسببية كونها – أي الصدفة – ليست سوى التقاء عفوي لسلسلتين او اكثر من من الأسباب

سادسا) ومن النقطة 5 اعلاه ينتج أن الصدفة حقيقة موضوعية مثلها في ذلك مثل السببية كونها حالة خاصة من السببية الموضوعية

حول السؤال عن ماهية الوعي (ما هو الوعي)؟

ان هذا السؤال لم يصل العلم الحديث الى أجابة له لحد الآن. ويترك للعلم في المستقبل اماطة اللثام عنه. إلا أن ذلك ليس ذو أهمية كبرى ،  لانه لا يعيق من دراسة الظواهر العقلية وتفسيرها. وقد اكد العلامة فرويد على ذلك. حيث اوضح أن ما نجهله بصورة كلية هو الطفرة المبهمة من ما هو جسدي الى ما هو عقلي ومن ما هو عقلي الى ما هو جسدي. كيف يتم هذا الانتقال؟ وما هو العقل؟ ثم اوضح أن ما نجهله عن “ما هو العقل؟” ليس في حقيقة الأمر إلا ما هو الوعي؟ أي ما هو الجزء الواعي من العقل او بتعبير آخر ما هو العقل الواعي على وجه التحديد؟ وقد اكد فرويد على ضرورة أن يستمر علماء النفس في دراساتهم للضواهر العقلية والنفسية دون أن يجعلوا من عدم معرفتهم لماهية الوعي عائقا يعترض من طريقهم. وبالفعل فقد نجح علماء النفس في دراسة الوعي وظواهره المختلفة ونجحوا في وضع فرضيات ونظريات ومن ثم توصلوا الى اثباتات وتم البرهان على صحة الكثير من نظرياتهم بصورة لا تقبل النقض. وقد قاموا بكل ذلك من دون امتلاكهم لمعرفة عن ما هو الوعي

ان هذه الحالة (عدم معرفة ماهية الكينونة) لا تقتصر على الوعي وعلم النفس فقط ، بل موجودة أيضا في مجالات وعلوم اخرى. ففي الفيزياء على سبيل المثال الزمن لا يمتلك تعريفا ، فماهية الزمن غير معروفة للفيزيائيين. فالسؤال ما هو الزمن باقي الى الآن بدون جواب وكل ما قيل لحد الآن كمحاولة لايجاد تعريف للزمن لا يعدو على أن يكون مجرد نظريات غير مثبتة. والجاذبية مثال آخر: فما هي الجاذبية؟ لا احد يعرف الى الآن. فماهية الجاذبية غير معروفة للفيزيائيين. لكن على الرغم من ذلك استطاع الفيزيائيين دراسة الجاذبية والزمن والظواهر الاخرى المشابهة و وضعوا فرضيات و طوروا نظريات و وصلوا الى مبرهنات واكتشفوا قوانين (كقوانين الجاذبية) بنفس الطريقة التي استطاع علماء علماء النفس أن يدرسوا الوعي ويضعوا له تقسيمات ويدرسوا ظواهره ويكتشفوا قسما من قوانينه ، تاركين للمستقبل الكشف عن ماهية الجاذبية والزمن وماهية الوعي

وحول السؤال ما هو الوعي؟ وجميع الأسئلة الأخرى المتعلقة ب “ما هو؟” علق الفيلسوف الخالد كارل بوبر في الجزء الحواري مع جون أكلس من كتاب النفس ودماغها بما يلي

  بالنسبة للسؤال ما هو العقل الواعي لذاته ، انا اعتقد بان اسئلةما هو بصورة عامة ليست في الواقع مهمة جدا ، وهي في حقيقة الأمر ليست اسئلة جيدة جدا لكي تطرح. ان هذه الاسئلة ذات بنية بحيث لا يمكن الاجابة عنها باجوبة شافية. فمثلا ، السؤال ما هي الحياة ، يمكننا ان نجيب عليه اجابة غير مرضية بان الحياة هي عملية كيميائية. هذا الجواب غير مرضي لأن هناك الكثير والكثير من العمليات الكيميائية غير الحياة. ربما نجد حقا بعض الفائدة بالقول ان الحياة هي عملية كيميائية ، لكنها فائدة مجازية فقط. فاذا قلنا ان الحياة تمتلك بعض الشبه بالعملية الكيميائية للهب ، وانها نوع من نظام مفتوح  مثل لهب الشمعة ، سيكون ذلك استعارة مخازية اخاذة حقا ، لكنه في واقع الامر ليست قيمة جدا

  الآن ، بالنسبة للسؤالماهو العقل الواعي لذاته؟ اولا ، استطيع القول ، كجواب تمهيدي (دائما واضعا في البال ما قلته توا حول كل اسئلةما هو) :انه شيء مختلف تماما عن أي شيء ، بحسب معلوماتنا ، قد وجد سابقا في الكون. هذا جواب للسؤال ، لكنه جواب سالب. فهو يؤكد فقط على الاختلاف. بين العقل وأي شيء سابق لظهوره. اذا سألت بعد ذلك : هل انه حقا هكذا مختلف بصورة كلية ، عندها ساستطيع فقط أن اقول : ربما يكون هنالك سلف ما للعقل البشري في هيئة ادراك واعي لكن غير واعي لذاته عند الحيوانات (ان فرضية امتلاك الحيوانات لأي شكل من اشكال الوعي مجرد نظرية لا يوجد أي سند علمي يدعمها لحد الآن – ملاحظة الصوت الشيوعي). ربما يوجد هناك شكل من السلف للعقل البشري في هيئة شعور واعي باللذة والالم تمتلكه الحيوانات ، لكنه (أي العقل البشري – ملاحظة الصوت الشيوعي) ، يختلف كليا عن شعور الحيوانات لانه يستطيع أن يعكس ذاته ؛ أي أن الأنا تستطيع أن تعي نفسها ، وهذا هو ما نعنيه بقولنا عقل واعي لذاته. واذا سألنا كيف يمكن ذلك ، عندها سأجيب بأن ذلك ممكن فقط من خلال اللغة ومن خلال تطور التخيل في تلك اللغة. أي انه ، فقط اذا استطعنا تخيل انفسنا كاجساد فاعلة ، وكاجساد فاعلة ملهمة بطريقة ما بواسطة العقل ، أي بواسطة انفسنا ، عندها فقط ، ومن خلال كل هذا الأنعكاس – الذي يمكن أن نسميه الأنعكاس المرتبط – عندها فقط نستطيع الحديث عن النفس = أي الذات – ملاحظة الصوت الشيوعي

كانت تلك مقطوعة فلسفية لكارل بوبر تم نسخها من كتاب النفس ودماغها لبوبر وأكلس ، الطبعة الانكليزية ، روتليج وكيغن باول ، لندن بوستن ، ملبورن ، هنلي ، 1983 ، ص 553 – الخط العريض المائل مع الخلفية البيضاء لبوبر

الفرق بين سلوك الأنسان وسلوك الحيوان

ان سلوك الحيوانات هو سلوك اوتوماتيكي وليس سلوك ارادي. فجميع الافعال والحركات التي تقوم بها العضلات الهيكلية في الحيوان هي افعال وحركات اوتوماتيكية تنشأ وتتم دون ارادة كما اثبتت البحوث العلمية. لذا فأن نظرية بافلوف في الارتباط الشرطي تصلح لتفسير سلوك الحيوانات. اما سلوك الانسان فانه فيشتمل على نوعي

اولا) سلوك اوتوماتيكي – افعال وحركات – تقوم بها العضلات الهيكلية دون تدخل الأرادة العقلية التي يمتلكعا الجزء الواعي من العقل البشري

ثانيا) سلوك ارادي – افعال وحركات – تقوم بها العضلات الهيكلية بأمر من الارادة العقلية

السلوك الاوتوماتيكي للأنسان – شانه في ذلك شأن السلوك الاوتوماتيكي في الحيوانات – يمكن تفسيره بنظرية بافلوف في الارتباط الشرطي. لكن السلوك الأرادي للكائن البشري لا يمكن تفسيره بهذه النظرية. راجع مقالة منشأ الحركات الأرادية ، الأرادة الحرة ، وهدم نظرية بافلوف في الارتباط الشرطي لتفسير الأرادة